The Gambler (المقامر) كما يقدّمه المخرج روبرت وايت عبر شخصية «جيم بينيت» (الممثل مارك والبيرغ)، لا يستهويه الربح. هو يلعب من أجل الخسارة، ولن يرتاح قبل أن يخسر كل شيء من ماله إلى عمله كأستاذ جامعي في الأدب، وصولاً إلى اسم العائلة الثرية المرتبط به، وغيرها. هدفه العودة إلى نقطة الصفر وقتل الهوية الملتصقة به. من الصعب وصف «المقامر» بأنّه فيلم تشويق، رغم احتوائه كل العناصر التي يجب توافرها.


فـ«جيم» يرزح تحت تهديد رجال العصابات، وكلّما سعى إلى إيجاد مخرج تورّط أكثر، إلا أنّ هذه الشخصية هي خارج لعبة التشويق نظراً إلى عدم اكتراثها الكلّي. هذا التناقض، هو ما يجعل العمل محيّراً. تنطلق الأحداث من الكازينو، حيث يقامر «جيم» ونراه يربح مرّة تلو الأخرى، لكنّه يظلّ يمتحن حظّه حتى يخسر في النهاية. على الأثر، يمهله صاحب الكازينو «لي» (الممثل ألفين إينغ) مدّة أسبوع لكي يرد الدين الضخم المترّتب عليه (حوالى 260 ألف دولار أميركي). طبعاً، وكأي مقامر، تكمن خطة «بينيت» العبقرية في ربح المبلغ عبر المقامرة أيضاً. هكذا، يستدين مبلغاً آخر من «بركة» (الممثل مايكل ك. وليامز)، ويحرص على خسارته، ثم من أمّه التي تعطيه المبلغ كلّه، فيقامر به أيضاً. ولكي تزيد الأمور سوءاً، يهدّد «بركة» «جيم» ويجبره على الضغط على تلميذه «لامار» (أنطوني كيلي)، بطل كرة السلة، للفوز في المباراة المرتقبة بأكثر من سبع نقاط ليربح «بركة» رهانه. مجدداً، يستدين «جيم» مبلغاً من «فرانك» (جون غودمان) ليراهن على المباراة بدوره من دون علم «بركة» ويسدّد له دينه. لكن حتى النهاية، يصرّ «جيم» على المجازفة، ويقامر بكل المبلغ الذي حصل عليه، تاركاً للحظ أو الصدفة تقرير مصيره للمرّة الأخيرة. عندها، يربح ويتمكّن من تسديد دينه لـ«لي» و«فرانك» سوية، قبل أن يغادر الكازينو ويعلن أنّه لم يعد مقامراً بعد اليوم.
وكأنّ كل هدف «جيم بينيت» منذ البداية هو الوصول إلى هذه اللحظة. فانغماسه في التحطيم الذاتي نابع من إيمانه بعدمية كل شيء. هو العدم، أو القدر أو الصدفة، الذي يقرّر منح البطل فرصة أخرى لبناء أو تحطيم كل شيء مجدّداً.
أكثر ما يميّز شخصية «جيم» هو رؤيتها المتطرّفة للحياة. الوسطية هي أشبه بالموت بالنسبة له؛ فإمّا أن تكون أو لا تكون. ورغم إصداره لرواية، إلا أنّه لا يعترف بنفسه أديباً لأنّه لا يرقى إلى مستوى العبقرية التي يطمح إليها، والتي تُعتبر هبة لا تُمنح إلا لقلة من البشر. على سبيل المثال، هناك تلميذة «جيم» وحبيبته «آيمي» (الممثلة بري لارسون) التي يرى أنّها تفوقه موهبة رغم عدم اعترافها بذلك. «آيمي» تصرّ على التخفي دائماً بدور الشخص العادي في الوسط الذي يمقته «جيم» ويعتبره أشبه بحالة من عدم الوجود.
وفي حواراته، يناقش الفيلم الهوّة بين الرؤية الأدبية للحياة، والحياة الفعلية بعدميتها وخلوّها من الشغف. بدا ذلك من خلال محاضرات «جيم بينيت» في الجامعة التي يناقش فيها «هاملت» لشكسبير، ورواية «الغريب» لألبير كامو التي تحاكي حالة التفكّك التي يعيشها والدمار الذاتي المقبل عليه. غير أنّ الحوارات بطابعها المباشر تبسّط الجدل المطروح، ولا تتعمّق فيه، فتبدو مفتعلة أحياناً. لكن هو السرد السينمائي بأسلوبه الشاعري البعيد من التشويق التجاري الذي يضيف إلى الشريط بعداً مختلفاً، فيتابع المخرج تجوال «جيم» العبثي في المدينة، عبر المشاهد التي يصوّر فيها الحياة الليلية، مبرزاً جمالية الأضواء بانعكاساتها وألوانها المتفاوتة، خصوصاً في هندسة اللقطات البعيدة. وهي اللغة السينمائية التي تأخذنا إلى العالم الداخلي للبطل وعلاقته بالمكان، في حين ينجح الممثل مارك والببرغ في تصوير هذه الشخصية المتجرّدة ظاهرياً من أي هم أو قيد أو شعور. وفيما لا ينجح أداء الممثل الأميركي في تقريب الشخصية الرئيسية من المشاهد، يتميّز الممثل جون غودمان بأدائه الطريف لدور رجل العصابات «فرانك».
هذا الأخير يبرز كالفيلسوف الحقيقي في The Gambler، لا سيّما في تحليله المتعمّق للشتائم الأميركية التي تعتبر دليل وطنية.



* صالات «غراند سينما» (01/209109)، «أمبير» (1269)،
«سينما سيتي» (01/995195)