يشي مفهوم اللاعب الأجنبي بأنه عنصر اضافي الى الفريق من المفترض أنه يتمتع بمستوى أرفع من اللاعبين المحليين، ويقع على عاتقه رفع المستوى الفني للفريق، لكن في لبنان لا تبدو هذه القاعدة سائدة، ذلك أنك تجد لاعبين أجانب بالاسم فقط، فيما مستواهم أقل من اللاعبين المحليين، فتكثر الانتقادات تجاههم، لكن هل سأل منتقدٌ نفسه كيف أتى هذا اللاعب، وكيف يعيش، وماذا يأكل وأين ينام، وكيف يتدرب؟

في لبنان، تراجعت نوعية اللاعبين الأجانب مع تراجع التمويل، لكن الموسم الحالي خرق الواقع الذي ساد في الاعوام الماضية، أولاً بسبب نجاح بعض الأندية في ضم لاعبين مميزين، امثال مهاجم طرابلس الغاني مايكل هيليغبي متصدر الهدافين بـ 15 هدفاً، ولاعب وسط العهد التونسي إيهاب المساكني وصيفه، مشاركة مع لاعبي الساحل الفلسطيني وسيم عبد الهادي، والشباب الغازية المالياني عبد الله كانوتيه بتسعة اهداف، ومهاجم الأنصار النيجيري أبيدي برينس صاحب 8 أهداف.

الافارقة يأتون الى لبنان عن طريق وكلاء اللاعبين، وهؤلاء ينقسمون بين فئة تحترم نفسها وتقوم باستكشاف اللاعبين بأنفسهم وهم قلة، وفئة يسمون وكلاء الانترنت الذين يتواصلون مع اللاعبين عبر البريد الالكتروني، ويعرضون هؤلاء على الفرق، ومن يقبل تجربته تُصدر له تأشيرة دخول فيما يأتي اللاعب الى لبنان على نفقته الخاصة. فيتحول الوكيل الى وسيط يحصّل عمولته، وحين يضع الأموال في جيبه ينسى اللاعب وينسى النادي، ولا يتذكر سوى العشرين بالمئة التي حصل عليها مناصفة من اللاعب والنادي. وبعض الوكلاء يكون لديهم أصدقاء في الدول الأفريقية يشاهدون لاعبين يمارسون كرة القدم بطريقة جيدة على الرمل، فيرسلون الى لبنان، ليبدأ الوكيل جولته على الأندية حاملاً معه «بضاعته» على أمل أن يجد من يشتريها.
رامي سعود وكيل لاعبين يعد من الوكلاء الأوائل الذين توجهوا الى قارة أفريقيا، واستقدم لاعبين الى لبنان. هو من الوكلاء القليلين الذين يتّبعون أسلوباً محترفاً في استقدام اللاعبين، اذ يتعاون مع أشخاص في دول كنيجيريا وساحل العاج، حيث ينظّمون تجارب للاعبين تضم ما يقارب الـ 3000 لاعب قبل أن يتقلّص العدد الى 60 ومنه الى 22 ومن ثم يختارون لاعباً أو اثنين يكونون الأكثر تميزاً. طبعاً هؤلاء المميزون لا تكون وجهتهم لبنان، فالدوري اللبناني ضعيف والأندية تعاني مادياً ما جعل متوسط عقد اللاعب المحترف بين 8000 و10000 دولار مع راتب شهري يرواح بين 1500 و2500 دولار مع وجود لاعبين تصل رواتبهم الى 5000 آلاف دولار وأكثر لكن هؤلاء نادرون.

يقيم معظم اللاعبين في أماكن لا تصلح للحيوانات ويعيشون على السندويشات
رئيس نادي طرابلس وليد قمر الدين كشف لـ «الأخبار» بأن كلفة هيليغبي وصلت الى حوالي الـ 60 ألف دولار، توزّعت بين حصة ناديه الأم، ومقدّم عقدٍ اللاعب، وعمولة الوكيل والراتب الشهري للاعب.
القصص تطول حول طريقة تعاطي الفرق مع اللاعبين الاجانب والأفارقة وتجربتهم قبل انطلاق الدوري، فالمباريات الودية قبل البطولة غالباً ما تضم أكثر من 15 لاعباً في الفريقين. فتجري تجربة اللاعبين من دون أن يكونوا قد تدرّبوا مع الفريق. ففي إحدى المبارايات الودية جرّب مدرب فريق لبناني عشرة لاعبين دفعة واحدة، فكان الحارس فقط لبنانيا، فيما العشرة الآخرون كانوا من جنسيات مختلفة، فأصبح كل لاعب يمسك الكرة ويتقدم وحيداً لكي يثبت نفسه.
وفي مباراة أخرى وخلال تجربة بعض اللاعبين حضر ثلاثة أجانب وحدهم الى الملعب مع ملابسهم فسألوا عن مدير النادي وأبلغوه أنهم لاعبون أجانب فأبلغ المدير المدرب العراقي حينها، فما كان من الأخير إلا أن طلب منهم أن يبدلوا ملابسهم ويشاركوا في المباراة!
وتكشف حادثة أخرى عن تعاطي الفرق مع فترة التجارب، ففي إحدى المباريات كان أحد اللاعبين المميزين من أفريقيا يجلس على المدرجات في مباراة ودية، فتحدث الشخص الذي استقدمه الى رئيس النادي، بين الشوطين، الذي أبلغ المدرب بحضور اللاعب وطلب منه إشراكه، فما كان من المدرب إلا أن أدخله في الشوط الثاني.
الحقيقة ان الافارقة ليسوا وحدهم في ساحة المعاناة بل ما يصيبهم يصيب اجانب آخرين ايضاً، فهؤلاء يعيشون في ظروف صعبة منذ لحظة وصولهم الى لبنان، اذ ان أحد الفرق الكبيرة جرب لاعبا هولنديا أُسكن في شقة لم يكن فيها كهرباء ليومين وفي عزّ الصيف. ثم قدّم المسؤولون في النادي مروحة على البطارية تُشحن في مكان آخر لكي يستطيع النوم في درجة حرارة عالية. ولم يستطع اللاعب شحن هاتفه بالكهرباء نظراً إلى انقطاعها، فانقطع عن أهله وعن الدنيا. أما زميله، الذي عاد ووقّع مع الفريق، ويعدّ من نجوم الدوري حالياً، فهو كان حتى فترة قريبة يعيش في منزل لا يصلح للحيوانات، وامكانية التنفس فيه شبه معدومة.
وعلى صعيد النظام الغذائي للاعبين، فحدث ولا حرج، إذ إن معظمهم يُتركون بلا طعام أو يعيشون على السندويشات فتكون الفيلادلفيا والفاهيتا الوجبة الرئيسية، ومن ثم يُسأل اللاعب عن زيادة وزنه.
بالنسبة إلى الأندية، فهي ترى أنها تعطي اللاعب راتباً وبالتالي هي غير مسؤولة عنه، فيما الاهتمام بغذائه وبطريقة عيشه والمكان الذي ينام فيه، تنعكس إيجاباً على مستوى اللاعب في المباريات. وفي حادثة حصلت الأسبوع الماضي، انخرط أحد الأندية في معسكر في فندق، وسلّم المسؤول عن الفريق 20 الف ليرة لكل لاعب كبدل طعام، فماذا سيستطيع اللاعب أن يأكل بعشرين ألف ليرة؟
أما نهاية المشوار الاحترافي فغالباً ما يكون بفسخ العقد مع اللاعب وترحيله بتسوية مع الأمن العام لكون معظم الفرق لا تحصل للاعبيها على إقامات بل تعتمد على التسوية المالية للخروج من لبنان، في وقتٍ يكون فيه اللاعب قد وصل الى مرحلة لا يريد فيها سوى الهروب من هذه الجحيم.