الحكاية بدأت عندما وقف لاعب المنتخب البلجيكي السابق جان مارك بوسمان عام 1995 أمام محكمة العدل الأوروبية، مطالباً بحرية الانتقال إلى دونكيز الفرنسي بعد انتهاء عقده مع ستاندار لياج البلجيكي. ما كان يطلبه بوسمان حينها من المحكمة كان إبطال القانون الصادر عام 1885، الذي كان يجعل من اللاعبين رهينة للأندية مدى الحياة حتى بعد انتهاء عقودهم. حصل بوسمان على الحكم واعتمدت المحكمة حينها على حق اللاعب بحرية الانتقال من نادٍ إلى آخر بعد انتهاء عقده بحسب «قانون بوسمان».


ما حققه بوسمان وقتذاك عُدّ انتصاراً لحقوق اللاعبين في لعبة كرة القدم، لكن هذا الانتصار الجزئي فتح الباب على الاتجار بالبشر في العصر الحديث للرياضة، إذ إن «قانون بوسمان» رفع أسعار اللاعبين بنحو جنوني، حيث باتت الأندية تسعى إلى بيع لاعبيها قبل انتهاء عقدهم، وذلك لكي لا تخسر الجزء الذي تحصل عليه من قيمة الصفقة الشرائية.
هذه الوضعية المعقّدة جعلت الفرق تبحث عن موارد بشرية أقل كلفة، فكانت وجهتها الأولى القارة السمراء، وتحديداً أولئك الذين لم يتجاوزوا الثامنة عشرة من العمر، لتبدأ مرحلة الاتجار بالبشر، وخصوصاً الأطفال، تحت غطاء كرة القدم. وهنا يمكن الحديث عن التجار الفعليين، إذ في الوقت الذي يحصل فيه عملاء اللاعبين المحترفين على ما نسبته نحو 28% من عمليات البيع والشراء الإجمالية سنوياً، ويُسهمون في الارتفاع المطّرد لأسعار اللاعبين، يعمل قسمٌ آخر من العملاء حصرياً في القارة السمراء مُستخدماً بطاقة تعريف مهنة مزورة، ومدّعياً تمثيل الأندية الكبيرة، ويوهم لاعبي الكرة بأنّه قادرٌ على تحقيق حلمهم الدائم بأن يصبحوا كاللاعبين الكبار الذين سبقوهم إلى درب النجومية في «القارة العجوز».

20 ألفاً هو عدد اللاعبين المشردين في أوروبا
كل هذا مقابل مبالغ مالية عانى هؤلاء الشبان وعائلاتهم لتحصيلها، إذ إن مبلغ 3000 يورو مثلاً التي يأخذها الوكلاء لإيجاد فرصٍ للاعبين، هي قد تكفي عائلة لمدة سنة كاملة في أحد البلدان الأفريقية. دفع المبلغ يعدّ بمثابة بطاقة العبور إلى أوروبا، لكن هذا الأمر دونه صعوبات، إذ إن الطائرة ليست دائماً وسيلة النقل المتعارف عليها في صفقات من هذا النوع، لأن البعض يخاطر بحياته فيعبر الصحراء وصولاً إلى المغرب مثلاً حيث يستقلون قارباً عبر البحر إلى فرنسا والتي تعد أكثر الوجهات استقبالاً لهم، وذلك مع ما يواجهونه من مخاطر قد تصل إلى الموت غرقاً.
وإذ يبلغ عدد اللاعبين الذين ينقلون إلى أوروبا سنوياً نحو 4000 لاعب، فإن المصائب التي تحل بهؤلاء وراءها وكلاء لا يردعهم أحد، إذ رغم قانون الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي أرسى قوانين حاسمة بخصوص اللاعبين الذين لم يبلغوا سن الرشد، فإن المخالفات مستمرة، لأن كلفة إحضار لاعب من أفريقيا في سنّ السادسة عشرة متدنية جداً، وهو بطبيعة الحال «سلعة مربحة» في حال تطوُّر مستواه مع بلوغه الثامنة عشرة، بينما تدني مستواه يرميه بعيداً من الفريق ويتركه في الشارع من دون رعاية، لأنه ليس هناك قانون أو عقد يلزم النادي به، وخصوصاً في مرحلة التجربة.
الاتجار الكروي بالبشر في أفريقيا عائدٌ بالدرجة الأولى إلى جشع الاندية الأوروبية مالياً وعدم وجود قوانين تحمي اللاعبين، إضافة إلى غياب التنظيم العام لكرة القدم في القارة السمراء. وهذا ما رفع عدد لاعبي كرة القدم المشردين في شوارع أوروبا في عام 2010 إلى 20 ألف لاعب، إذ إن بعضهم لا يعودون إلى بلادهم حتى لأسباب تتعلق بالعار وتحميل أنفسهم سبب الفشل وتخييب آمال عائلته التي قدمت كل التضحيات إليه في سبيل تحقيق حلمه.
تبدو القوانين التي سنّها «الفيفا» وقوانين الأمم المتحدة غير قادرة على السيطرة على هذه الآفة في كرة القدم، إذ يُعَد قانون اللعب المالي النظيف المتعلق بالصرف المادي السنوي، الذي يجبر الأندية على التخلي عن لاعبين لقاء شراء لاعبين جدد للمحافظة على سقف صرف محدد، عاملاً إضافياً اليوم يُسهم بازدياد بحث الأندية عن لاعبين أقل كلفة من دون توفير الحماية لهم. وإذا كان العملاء يتاجرون باللاعبين الأطفال بنحو شخصي، فإن الخطر يمكن أن يتحول إلى عمل مؤسساتي منظم. وهذه المسألة أشار إليها وثائقي بعنوان «الألماس الأسود» للمخرج باسكال لامانش الذي كشف أنّ في أكاديمية أسباير للتفوق الرياضي التي شيّدت عام 2005 في قطر، تجري تجارب لـ 700 ألف لاعب كرة قدم ناشئ من عشرات الدول الأفريقية سنوياً. ويظهر عمل الأكاديمية، المسيطر عليها من قبل شخصيات كروية معروفة قطرية وأوروبية ترتبط بأندية كبيرة، على أنه عمل لتطوير اللعبة وتطوير لاعبين موهوبين، إلا أنه يحمل في طياته البحث عن مواهب أفريقية ونجوم جُدد يؤمّنون عائدات ضخمة في فترة لاحقة، وهذا ما يجعل من الشركة مصنعاً للبضائع البشرية، أي اللاعبين. وباتت إحدى الطرق التي تتبعها هذه الأكاديمية هي البرامج التلفزيونية، وفي إحداها يفوز لاعب ما ويبلغ وحده العالمية مقابل دفع الأندية مبلغاً مالياً ليس بقليل للشركة المنظمة للمسابقة، بالتعاون مع العملاء في الدول الأفريقية (خصوصاً غانا وساحل العاج) لإتمام هذا البرنامج الذي ترى فيه فوائد كثيرة. وإذ يُظهر الإعلام أن هناك فائزاً بلغ حلمه، يوضح التدقيق جيداً أن هناك العشرات بل المئات الذين تظهر الدمعة في عيونهم، وهم ينتظرون دورهم أو لفتةً من عميل هنا أو مدربٍ هناك يعيد لهم الحياة التي فقدوها بعد مغادرتهم لأفريقيا.