أما آخرون، فلقوا مصيراً تراجيدياً مؤسفاً وتاه حلمهم بأن يصبحوا على صورة الكاميروني صامويل إيتو أو العاجيين ديدييه دروغبا ويايا توريه في شوارع المدن الأوروبية. نام حلمهم على أرصفة شوارعها، وارتجف من شدة برودة مساءاتها.

هنا حكايات تدمي القلوب لفتيان في مقتبل العمر تركوا البلاد والأهل في القارة السمراء وحملوا حلمهم البريء والصغير بأن ينتشلوا عائلاتهم من واقعها المرير وعبروا به البحر ليستريحوا عند شواطئ أوروبا بحثاً عن رسم بسمة لهم ولأسرهم التي تنتظر سقوفاً تحميهم من شمس أفريقيا الحارقة، وأحذية تقيهم من رمالها اللاهبة، ولقمة تملأ أمعاءهم الخاوية.

لكن هذه الأحلام تكسّرت في صقيع أوروبا بعدما تعلقت بآمالٍ غرسها في عقول وقلوب هؤلاء وكلاء باعوا ضمائرهم. وكلاء باعوا أحلاماً بريئة بحفنة من النقود. هنا حكايات لمن بحثوا عن كتابة قصص جميلة لهم في أوروبا، وإذا بها تُختتم في أسطرها الأولى بنهايات حزينة.
إذاً، القصة تبدأ من أشخاص ينتحلون صفة وكلاء لاعبين يبحثون في أفريقيا بين أزقة مدنها، وتحديداً في ملاعب قراها حيث الفقر المدقع والجوع إلى حد الموت، عن فتيان لا يتعدون سنّ المراهقة ويوهمونهم بالانتقال إلى الفرق الأوروبية والعيش الرغيد في مدنها حيث تكون فرنسا وبلجيكا عادة مكان الوصول، ومنها الانطلاق. أما الخطوة الثانية، فهي إقناع أهالي الفتية بدفع تكاليف السفر لأبنائهم والعمولة للوكيل، وبالطبع إن كثيراً من هؤلاء يضطرون حتى إلى بيع ممتلكات ومقتنيات لهم من أجل هذا الحلم الذي يتحوّل إلى كابوس.
آخر الكوابيس ضجت بها الصحف الفرنسية في أواخر العام الماضي عندما عُثر على فتى كاميروني يبلغ 15 عاماً مشرداً في شوارع مدينة لوون الفرنسية من دون نقود، حيث اقتيد إلى مركز الشرطة، وروى هناك أن شخصاً ادعى أنه وكيل لاعبين أخبره بأنه سينقله إلى أحد الفرق الفرنسية، فدفعت عائلته تكاليف السفر وعمولة لهذا الشخص ليسافر معه الفتى بأوراق مزورة إلى البرتغال، ومن ثم انتقلا معاً إلى باريس بالقطار، حيث كان بانتظارهما شخص نقل الفتى إلى لوون وتركه أمام ملعب فريق المدينة الذي أكد مسؤولوه أنهم لا يعلمون أي شيء عن الفتى، ليكون مصير هذا الأخير بالنهاية الإقامة في مسكن معزول للقاصرين بدلاً من أن يسرح على العشب الفرنسي الأخضر.

يسرق وكلاء اللاعبين أهالي الفتية ويوهمونهم بتأمين مستقبل أبنائهم
حكاية أخرى سابقة كان ضحيتها برنارد، الفتى الغاني البالغ من العمر 17 عاماً، الذي وقع بدوره فريسة لأحد الوكلاء المزوّرين الذي أبلغه بأنه سينتقل إلى نادي متز الفرنسي، حيث قامت والدته ببيع المنزل المتواضع، فيما اضطر شقيقاه إلى العمل 12 ساعة يومياً لدفع تكاليف السفر وعمولة الوكيل، وإذا بالفتى عند وصوله إلى متز يلقى نفسه في مركز الشرطة ليرحّل من حيث أتى، لكن دون حلمه الذي تناثر في هواء فرنسا.
هذان الفتيان عينة من مئات، لا بل آلاف العينات على مدى الأعوام السابقة، وتحديداً منذ مطلع التسعينيات، التي تعيش هذه المأساة بين أفريقيا وأوروبا.
حتى إن سعداء الحظ منهم ممن يصادفهم وكلاء يحملون رخصاً ويعثرون على نادٍ، فإنهم يعانون الأمرّين للوصول إلى برّ الأمان. الغيني سليمان أوغاري هو أحد هؤلاء، حيث يشرح بأنه عند وصوله إلى بلجيكا، وهو في السابعة عشرة، أقام في منزل الوكيل، لكنه كان يدفع ثمن تنقلاته بالقطار ليقصد الأندية من أجل الخضوع لاختبارات فيها، حتى أنه عند توقيعه مع فريق بيفيرين، فإنه لم يحصل على أي فرنك بلجيكي، مضيفاً: «هنا في أوروبا، كل اللاعبين الأفارقة لهم حكايات. بمجرد وصولنا إلى هنا، نقبّل أيادي كثيرة».
كلام أوغاري يتطابق مع كلام اللاعب الكاميروني ألويس نونغ، الذي احترف في بلجيكا أيضاً، والذي يشير إلى أن الوكلاء مستعدون لفعل أي شيء وحتى التخلي عن إنسانيتهم من أجل تحصيل النقود على حساب الفتيان الأفارقة، ويضيف: «في معظم الأحيان الفتيان يصلون إلى أوروبا بتأشيرات سياحية لمدة أسبوعين. وفي حال فشل التجارب فإن صلاحية التأشيرة تنتهي ويتركون لمصيرهم ولا يرون الوكلاء مجدداً».
لكن أكثر ما يؤلم نونغ هو أن هؤلاء الفتيان ينتقلون في الشتاء من بلادهم التي تبلغ الحرارة فيها 35 درجة مئوية على الأقل إلى بلدان شديدة البرودة.
نونغ نفسه عاش تجربة مشابهة عند قدومه إلى فرنسا عندما كان في السادسة عشرة مع 6 فتيان كاميرونيين، حيث قضى عامين بطريقة غير شرعية، إلا أن الحظ أسعفه، إذ تمكن من الانتقال إلى فريق في بلجيكا، لكنّ زملاءه الباقين انتهى بهم الحلم الأوروبي الكبير في مطاعم أو ورشات بناء.
هذه المأساة شغلت كثيرين في أوروبا وأفريقيا، ومن بينهم رافايل بولي، وهو باحث في المركز الدولي للدراسات الرياضية في جامعة نيوشاتيل السويسرية، ومختص في الهجرة الدولية للاعبين، حيث يشرح بأن الفتيان بعد اصطدامهم بالفشل في أوروبا فإنهم يحارون بين البقاء فيها بطرقٍ غير شرعية أو العودة إلى بلدانهم، لافتاً إلى أن العودة «تعدّ مرادفاً للعار بالنسبة إلى الأهل الذين يعتقدون أن التوقيع مع فريق في أوروبا سهل ووحده الفتى هو من يتحمل مسؤولية الإخفاق. وهذا ما يدفع هؤلاء إلى الهرب».
بين أفريقيا وأوروبا إذاً قصص محزنة تُدمي القلوب لفتيان كان همّهم الأول أن يخرجوا من بؤسهم ويوفّروا حياة كريمة لأسرهم، فإذا بهم يواجهون أقسى العذاب في رحلتهم إلى «القارة العجوز». ليس دائماً كرة القدم تُدخل الفرح إلى القلوب، إذ ثمة في أرض فقيرة، هذه الساحرة المستديرة أبكت كثيراً من العيون.