لا يولد أي التراس عشوائياً، فهو بطبيعة الحال مكوّن من مجموعات صغيرة تضم أصدقاء أو أبناء منطقة واحدة أو من حزب سياسي معيّن. وهذه الفئة تعود بقرارها إلى ممولين وقادة يسيطرون تنفيذياً عليها ويسعون إلى أهدافٍ متعددة من خلالها.

قبل عامين أشار تقرير لوكالة «أسوشييتد برس» إلى أن المجموعة الاكثر تنظيماً في مصر بعد الاخوان المسلمين هي جماعات الالتراس الخاصة بكرة القدم المحلية.

وهذا المثل هو للدلالة على انجذاب الشبان فعلاً إلى الالتراس لكون الانتماء اليه يساهم برأيهم في ترجمة شخصيتهم ويعطيهم قوة يستمدونها من مجموعة تتسم بعصبية معينة. أضف أن ملعب كرة القدم يمثل مساحة واسعة لهم للتعبير بعيداً من أي قيود اجتماعية، فيشتمون ويحرقون ويضربون في سبيل هدفهم، فيحوّل الالتراس التنافس الرياضي إلى صراع بصيغة «نحن» و«هم».
غالباً ما يسمح العمل الجماعي والتكتل بتبرير الكثير من الافعال، التي قد تصل إلى تشريع القتل في بعض الأحيان. وما فعله التراس «إنفرنو 96» التابع لفريق ستاندار لياج البلجيكي هو خير دليل على هذا التأثير النفسي الذي قد يزرعه العمل الجماعي للألتراس في الجمهور. «إنفرنو 96» رفع في وجه كابتن فريقه السابق ستيفن دوفور الذي انتقل الى الغريم اندرلخت، صورة رجل يحمل رأساً مقطوعا وكتب عليها «الأحمر أو الموت».
هذه الحادثة تؤكد أن كرة القدم قد لا تُمثّل الحدث الرئيس لجماهير الالتراس. هنا نُقلت المعركة المفترضة بين جمهورين إلى معركة شخصية مع اللاعب، وفي الوقت الذي نجحوا فيه باستقطاب أصوات كثيرة مؤيدة، رفض الرأي العام البلجيكي العمل الذي قام به هؤلاء.

حملة قادها التراس دورتموند ضد المسلمين الراديكاليين بدأت من الملعب وانفجرت في الشارع


ويُظهر الفارق بين ردتي الفعل هاتين أن تأثير الالتراس يكون على جماهير الفريق أكثر منه على المجتمع ككل.
في عام 2014 قاد التراس بوروسيا دورتموند الالماني حملة سياسية ضد المسلمين الراديكاليين في ألمانيا بدأت من ملعبه لتتحول إلى تظاهرات تضم عشرات الآلاف في الشارع. ويُظهر ما قام به التراس الفريق الأصفر والاسود قدرة هائلة ليس فقط على الحشد والتنظيم، إنما على تحويل الرأي العام بأكمله في اتجاه معين.
بعد الحرب العالمية الثانية عملت إيطاليا على محاولة إنهاء ظاهرة الفاشية، لكن فشلها يتردد صداه كل أسبوع في قلب العاصمة الإيطالية، وفي ملعب الاولمبي تحديداً حيث يقف آلاف من مشجعي التراس فريق لاتسيو الإيطالي لأداء التحية الفاشية وينقلونها إلى أطفالهم عبر ممارساتهم في الملعب، وينجحون عاماً بعد عام في إبقاء هذه التقاليد والافكار، فيشتمون اللاعبين السود واليهود، ويضربون مشجعي الفرق الانكليزية عند حضورها إلى إيطاليا. وهنا يعمل الالتراس على ترسيخ مفاهيم عقائدية فكرية لجيل جديد يُساهم في عزلها عن المجتمع في كثير من الاحيان، والقيام بأعمال غير أخلاقية وغير قانونية يبررها الانتماء إلى النادي والالتراس.
وفي ايطاليا ايضاً، يمثل استخدام كرة القدم غطاءً لتحقيق مآرب سياسية تقليداً، اذ إن صراع «دربي» ميلانو غالباً ما يتحول إلى صراع طبقي بين فريق ميلان، الذي يمثل الجناح اليساري في المدينة، وخاصة الذين يعملون في سكك الحديد، وفريق إنتر الذي يمثل جناح المحافظين وفريق الطبقة الغنية. كذلك فإن استمرارية رئيس الوزراء السابق سيلفيو برلسكوني في الحكم كانت مبنية على تلميع صورته على نحو دائم على يد الالتراس، لذا كان رضى التراس «الروسونيري» عنه ضرورياً لانجاح اي حملة انتخابية.
كذلك، يعزز الالتراس المناطقية المغموسة بالحقد، ويظهر ذلك في الصراع القائم في فرنسا بين باريس سان جيرمان ومرسيليا، حيث يأخذ بُعداً عرقياً بين الفرنسيين الذين يشجعون فريق العاصمة، والجزائريين والأفارقة الذين يشجعون فريق الجنوب الفرنسي. ويُستخدم التراس باريس وقوداً لإشعال الاحتجاجات العنصرية ضد الاجانب ووجودهم في فرنسا.
اذاً الالتراس هو عالمٌ من عوالم السيطرة، هو في قوة الإعلام العالمي في مجتمع المستطيل الأخضر، قوي التأثير في محيطه لامتلاكه سبباً قوياً هو شعار الفريق، وصعب السيطرة عليه لما يتمتع به من تنظيم وردات فعل مفاجئة وعنيفة في كثير من الأحيان. لا ترفضه الفرق لأنها تحتاج لوفائه في الملعب، والبعض يراه أجمل ما في كرة القدم، وأكبر خطرٍ عليها.