عندما ذهبنا إلى مهجعهم، في ذلك اليوم الحار، كانوا في استراحة. سبعة من بين آلاف العمال الذين يحرسون الشوارع من الخراب، وتحرسهم الشمس من نظرات العابرين، الذين بدورهم، لم يتعلموا بعد، «معنى النظافة». جميعهم من الرجال، ليست هناك «عاملات نظافة» في «سوكلين». وهذا بحد ذاتهِ بحث مستقل، إذ أننا سمعنا الكثير منهم ما يعرفه معظمنا تقريباً، عن «سوء معاملة» اللبنانيّن لعامل النظافة، والأوصاف العنصريّة التي يسوقها معظمهم للعامل، فيضعونه في مصافٍ أقل.


يختار العمال العمل، ولم يكن مفاجئاً على الإطلاق، أن تكون لهم حيواتهم المفعمة بالمرح، وأحياناً، يفوق بعضهم العاديين في الشغف. وهو شغف يتوزع بين اهتمامات عدة، أبرزها «الأرض» للبنانيين، مثلاً، وللـ«وطن»، كمحبوب يحبّ لبنان ويحن إلى بنغلادش، وتابامورغاج الذي يتذكر كلكوتا. لديهم يومياتهم «خارج الدوام»، التي قد لا تبدو في غاية الإثارة بالنسبة للكثيرين، غير أنهم، ويمكن الجزم بذلك، شغوفين بها. كذلك الأمر، شغوفين بعملهم، الذي لولاه... يمكنكم أن تتخيّلوا ما الذي كان سيحدث! ولعل أصدق الواصفين، هو الشاعر محمد العبد الله، الذي نظم قصيدة، وتعمد أن تكون باللغة «السائدة» محليّاً على الأرجح، ربما لضرورات الشِعر، وربما لصلافة الوصف، واختار أن تكون من كلمتين فقط: «لولا الزبّالون». ويمكنكم أن تتخيّلوا البقية.





عبد الستار زكريا

عبد الستار زكريا، هو واحد من أكثر لاعبي الورق حماساً أثناء اللعب، كما يقول زملاؤه. «ملك الليخا»، ربما، يقولون فيما بينهم، وإن كان بينهم من يتذمر من غضبه أحياناً، على سهو «الشريك» في الحسابات أثناء «دق» قد تتسم أحداثه بجديّة المتعبين. ولد عبد الستار عام 1968، في إحدى قرى عكار، ويقضي استراحته القصيرة هكذا، بين «الكوتشنيا» وأنفاس النرجيلة الطويلة.



شاهر العويشي

مثل الجميع في مبنى «سوكلين» حيث توجد مساكن العمال، يلهو شاهر العويشي بورق اللعب، ولكنه أضاف إلى الهوايات المألوفة في سكن العمال، هوايةً فريدة: مشاهدة المصارعة الحرّة. هناك، خلف تلفزيون صغير، وفي أحيانٍ كثيرة، يصرف شاهر ساعات الاستراحة القليلة، متسمراً ومشجعاً في آن، لرجال يتقاتلون على حلبة بعيدة. شاهر أتى من عكار هو الآخر، ولديه أرض وعائلة هناك.



خالد علي

أصبح خالد علي عامل نظافة في 2005، وهي فترة صعبة في تاريخ البلاد، حيث كان النزول خلالها إلى الشارع يحفل بمخاطر لم يعهدها خالد في قرية شال بعكار، حين كان مزارعاً تقليديّاً. يروقه فنجان القهوة بلا ضجيج، فيأخذه في المساء، حين ينام المجمع الضخم. لم يكن من أنصار التلفزيون، ولكنه أخيراً، اعتاد على متابعة المسلسلات التركيّة. تجده يعرف الأبطال ويعرف قصصهم، وبين العمال الآخرين، يعد مرجعاً في هذه الدراما.



عبد الله ابراهيم

يقضي عبد الله ابراهيم معظم الوقت في المطبخ: «لبنة وزعتر أغلب الوقت». وتلك ليست قناعة الضرورة، فالرجل تربى على إرث ريفي، وهو مشبع بثقافة «الزوادة» والعمل الكثير. يذكر جيداً بداية عمله في 2006، تزامناً مع «حرب تموز»، ويسمّيها مرحلة الخوف. اليوم، يبدو معتاداً على ظروف العيش في المهجع، يدخّن النارجيلة، ويلعب الطاولة مع رفاق النهار والليل وكل الأوقات. عبد الله من مواليد عام 1961، ويشجّع ريال مدريد الإسباني.



مظهر العمري

مظهر العمري هو أصغر العمال الذين التقيناهم. وُلد في 1976، والتحق بشركة «سوكلين» في 2010. تعرف إلى أصدقاء جدد خلال عمله، وهو فخور بأصدقائه الجدد «وهم من جميع الجنسيّات». يشتاق مظهر إلى أرضه في برقايل، حيث اعتاد زراعة البامياء، النبتة الأقرب إلى قلبه، وإلى أصدقاء المراهقة، الذين كانوا فلاحين، وصاروا عمالاً في أيام النضوج. ما زال يعرّج إلى قريته حالما تسنى له ذلك. يحنّ إلى «التراب».



محبوب

محبوب، يشبه اسمه كثيراً. ولد في كوميلا، بنغلاديش، التي يشدد أنها تبعد 100 كلم تقريباً عن دكا. وهي مسافة في حسابات البنغلادشيين، تُعد قليلة، لكبر بلادهم واتساعها. منذ أربع سنوات، أحضرت الشركة طاولات «كارمبورد» إلى المهجع، وهي لعبة تقليديّة أورثها الاستعمار الإنكليزي، ولكن محبوب يعتقد أنها ما زالت اللعبة الأفضل. اعتقد محبوب في البداية أن برج حمود تشبه سنغافورة غير أنه عدل عن رأيه هذا: «لبنان بلد جميل جداً».



تابامورغاج

يتحدث تابامورغاج مع عائلته في الهند على الهاتف منذ 17 عاماً. الرجل الذي يبلغ من العمر 38 عاماً، يشارك الأصدقاء لعبة الـ«كارمبورد»، ويتابع أخبار بلاده عبر الفضائيات المتوافرة. وعموماً، «نشرة الأخبار»، وإن كانت عن الهند، فإنها ليست الحدث الذي يستهوي صديقنا كثيراً. اعتاد منذ بداية ظهور «الستالايت» على مشاهدة الأفلام الهنديّة، وهو، بطريقةٍ ما، متعصب لـ«بولي وود».