كان المشهد سريالياً عندما خرج رئيس مجلس إدارة «تلفزيون لبنان» طلال المقدسي من اجتماع ضمّ رؤساء مجالس إدارة القنوات المحلية ورئيس الحكومة تمام سلام في منتصف الشهر الماضي. نقل المقدسي عن سلام دعمه للخطة «الإنقاذية» لمحطات التلفزة، ولا سيّما مضيها في إنشاء «باقة موحدة» مدفوعة. هذا المشهد المضحك المبكي ينسحب على باقي الوزرات اللبنانية المعنية، وعلى الصحوة التي جمعت أكثر الأقطاب اللبنانيين تنافساً. هؤلاء جمعهم همّ واحد: إنقاذ القطاع الإعلامي من حالة التدهور الاقتصادي التي تعصف به منذ أكثر من خمس سنوات، في ظل التراجع الكبير في المردود الإعلاني.


أرادت القنوات، على رأسها «المؤسسة اللبنانية للإرسال» راعية هذه الخطة بشخص رئيس مجلس إدارتها بيار الضاهر، وقف العجز المالي الحالي الذي وصل هذا العام إلى ما يزيد على 120 مليون دولار أميركي، في مقابل مداخيل لم تتعد الـ 60 مليوناً.
لماذا وصْف المشهد بالسريالي؟ ببساطة، لأنّ القطاع الإعلامي ــ ولا سيّما المرئي والمسموع ــ مهمل من قبل الحكومات المتعاقبة منذ أكثر من 15 عاماً بفعل القوانين البالية التي لم تُحدَّث منذ عام 1994 (قانون 94/382)، وأيضاً بفعل الأمر الواقع الذي فرض وقتها محاصصة طائفية وسياسية ما زالت قائمة حتى اليوم. إنّها حالة من الفوضى أفادت منها القنوات نفسها والسلطات السياسية.
إضافة إلى هذا الواقع الفوضوي البعيد عن المأسسة والتنظيم، ظلّت سمة احتكار السوق الإعلاني، ولسنوات عدّة، طاغية في بعض الشاشات المحلية بفعل النتائج الإحصائية الصادرة عن شركة «إيبسوس» التي انفردت بهذا الميدان طوال السنوات العشر الماضية. وفق إحصاءات الشركة المذكورة، ظلت هذه القنوات تحتلّ المراتب الأولى في نسب المشاهدة، وبالتالي استحوذت على حصة كبيرة من سوق الإعلانات، بينما غرقت زميلاتها في الغبن والعجز المالي.


إمكانية اللجوء إلى منصة
رديفة تبث «الباقة الموحدة» بموجب عقد

وبقي الوضع على ما هو عليه إلى أن أتى تاريخ يسجل في تاريخ الإعلام اللبناني، وهو شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2014. إنّها لحظة انتفاضة ست قنوات لبنانية من أصل ثمانٍ على الشركة الفرنسية، وانسحابها من إحصائياتها متهمة إيّاها بـ «عدم الشفافية والتزوير». ولعلّ أبرز ما أسهم في كسر هذا الصمت الذي استمر أكثر من عقد، هو دخول شركة GFK على الخط. شركة ساهمت في تحطيم مفهوم القناة الأولى، وأدخلت مفهوماً جديداً إلى الساحة الإعلامية اللبنانية ينتج إحصاءات تسير تبعاً للبرنامج المعروض على القناة ونسبة مشاهدته.
مع ذلك، ظلّ الانقسام سيّد الموقف بخصوص الشركتين الإحصائيتين والخلفية طبعاً: المصالح المشتركة بين القناة والشركة. هذا الانقسام الذي لم يجد طريقاً للحلّ بعد، أدى حتماً دوراً هاماً في تراجع السوق الإعلامية، فضاعت الشركات المعلنة: أين تضع إعلاناتها؟ وضاعت الطاسة ومعها الأموال المفترض توزيعها عى نحو عادل بين المحطات تبعاً لإنتاجاتها طبعاً، عدا تأثر القطاع الإعلاني بمجموع الأزمات والمضاربات والفوضى في القطاع الإعلامي، ولا سيّما الفضائي منه.
سوق الإعلانات كانت مدار بحث في الأيام الماضية بين رؤساء مجالس إدارة القنوات المحلية (بعيداً عن عدسات الكاميرات)، وخصوصاً أنّ هذه السوق تثير جدلاً واسعاً، يبدأ بتلزيم شركة إحصاءات موثوق بها، ولا ينتهي بالحديث عن المضاربات والتقنيات وتوزيع أجهزة قياس نسب المشاهدة في المنازل.
وبالحديث عن قطاع البث الفضائي في لبنان، لا بد من الإشارة إلى أنّه تديره واقعاً وزارة الاتصالات بموجب القانون الرقم 531 الصادرعام 1996. قانون دخلت من خلاله عشرات القنوات الفضائية إلى لبنان تحت عنوان «مكاتب تمثيلية» في بيروت، بينما هي في الواقع تتخذ من العاصمة اللبنانية قاعدة لإنتاجاتها المختلفة.
فوضى القنوات الفضائية المنتشرة كالفطر توازيها فوضى في شركات الكابلات التي تمثل اليوم الطبق الساخن على طاولة اجتماعات رؤساء مجالس إدارة المحطات في الوزارات المعنية. يُفتح النقاش اليوم بعد صمت طويل أيضاً حول حقوق هذه القنوات في اقتطاع مبلغ 6 آلاف ليرة لبنانية من المبلغ الذي يدفعه المواطن اللبناني لمصلحة هذه الشركات، على أن تدور عجلة المفاوضات الأسبوع المقبل بين الشركات والقنوات لإيجاد تسوية ترضي الطرفين في ظل تعنّت أصحاب الكابلات وعدم قبولهم هذه «التنازلات».
إنّها استفاقة أخرى إذاً على حقوق المحطات اللبنانية المهدورة من خلال الدفع نحو اللجوء إلى القانون عبر إنشاء «باقة موحدة» تحمي حقوقها وتحاسب إعادة بث موادها من دون دفع مقابل مادي.
وفي حال تعثّر عملية التفاوض مع أصحاب الكابلات، سيجري اللجوء إلى «آخر الدواء»، أي الكيّ! المقصود بالكيّ هنا هو اللجوء إلى منصة رديفة تبث هذه الباقة اللبنانية بموجب عقد يدرّ عائدات مالية على القنوات في حال الاشتراك أو الشراء على نحو كامل.
وإلى ذلك الحين، تدور مجدداً عجلات التفاوض بين الطرفين على أمل الاتفاق، وإيجاد تسوية تعامل بالمثل؛ فكما «تدفع هذه الشركات لقنوات مشفرة كـOsn وbEin sports للاستحصال على صورتهما، كان من الواجب أن تعامل القنوات المحلية بالمثل». مسألة يصرّ عليها رئيس مجلس إدارة «الشبكة الوطنية للإرسال» (nbn) قاسم سويد في حديثه لـ«الأخبار»، مشدداً على مبدأ «المحاسبة» في حال المخالفة وخرق حقوق إعادة البث، إذا ما اتفق على الخروج من «جنّة» الكابلات إلى «بوكيه» (باقة) خاصة بهذه القنوات.
الاجتماعات ستتكثف كما السابق، وستكون جولة جديدة على وزارات العدل، والمال، والاقتصاد، والإعلام، والاتصالات للضغط من على أصحاب الكابلات جهة، ولاستطلاع إمكانية تحقيق المطالب التي طُرحت مطلع الشهر الماضي. مطالب تلحظ بمجملها إجراء تخفيضات على رسوم الهاتف، والإنترنت، وتكاليف سيارات النقل المباشر.
وفي ظل هذه الحركة المكوكية لأصحاب القنوات اليوم وجولاتهم وصولاتهم على الرسميين في سبيل إيجاد حلول لأزماتهم الاقتصادية، تبقى الأسئلة مشرّعة حول استحقاق البث الرقمي المفترض بلوغه بعد شهرين وفق اتفاقية «جنيف» (2006)، وبموجبها تستطيع هذه القنوات الاستحصال على خدمات إعلامية وفيرة ستدرّ الأموال على جيوبها، كما أنّ ذلك سيعفيها من تكاليف تتكبّدها في النقل وأعمدة الإرسال، إذ ستصبح هناك شبكة موحّدة مركزها التلفزيون الرسمي. وستحصل كل قناة على صورة نقية، وتتمتع بترددات كثيرة تتيح لها إنشاء قنوات متخصصة رديفة. ويبقى الأمل في إقرار قانون جديد للإعلام، ينظّم الفوضى الحاصلة في هذا القطاع.