هل تصدّق حين يقال لك إنه كان في جبل محسن ما يفوق مئة معمل للخياطة بين صغير وكبير، من حيث عدد العمال والماكينات، وأن «الجبل» كان يصدّر إنتاجه إلى بلدان عدة مثل دول أفريقيا وأميركا وسورية وطبعاً لكل لبنان، وينتج كل الماركات والنوعيات حسب الطلب؟


يصعب تصديق ذلك، خصوصاً أن زائر المكان قد لا يعثر، ببساطة، على أماكن هذه المعامل. كلّ ما عليك هو أن تتجوّل في أحياء هذه المنطقة، وتنزل في ملاجئ مبانيها، لتشاهد خلايا العمال من ذكور وإناث وهي منكبّة على ما تبقى من ماكينات خياطة.
مرّت معامل الخياطة في الجبل بمرحلة ازدهار، واعتاش منها ما يفوق ألف عائلة بين عمال ومعلمي خياطة ومصابغ ومجارد. واستمرت هذه الحال حتى عام 2006، حين وقعت حرب تموز التي سبّبت عدم القدرة على الوفاء بالالتزامات من قبل المصنّع والتجار. إذ لم يستطع المصنّع الصغير تحمل أعباء تخلّف التاجر عن وفائه بالمستحقات المتوجبة عليه نتيجة تلك الظروف، التي يضاف إليها المضاربات والمنافسة. كلّها عوامل دفعت بأصحاب المعامل المتوسطة الحجم والصغيرة إلى الانكفاء، في حين تقلّص حجم العمل في المصنع الكبير الى الربع، كما يقول فواز ديب، قبل أن ينتهي الحال بمعمله مقفلاً.
كان معمل ديب ينتج أسبوعياً عشرة آلاف قطعة من مختلف الأشكال والموديلات، ويشغّل في معمله مئة عامل «كلهم تركوا المهنة وتوجهوا إلى الشركات المنتشرة في لبنان والخارج ليعملوا في مهن أخرى». وجاء اندلاع الأحداث الأمنية، ابتداء من عام 2008 بين الجبل وباب التبانة، ليزيد الطين بلّة. علي الخطيب صاحب معمل للخياطة مقفل حالياً. بقي معمله في حالة ازدهار حتى عام 2008، وبعدها بدأت الأحوال بالتراجع. ويعود سبب إقفال تلك المعامل، واحداً تلو الآخر، إلى ثلاثة أسباب رئيسية. الأول هو منافسة البضائع الصينية والمضاربات بين التجار. الثاني عدم الوفاء بالالتزامات بين التجار، والشيكات المرتجعة التي قصمت ظهر اصحاب المعامل الصغيرة.


تناقص الإنتاج من مليوني قطعة سنوياً إلى ما يقارب المئة ألف

لكن العامل الذي دقّ المسمار الأخير في نعش هذه المعامل هو الأمن، إذ لم يعد أصحاب المعامل قادرين على الوفاء بالالتزامات التي يبرمونها، كما بات التجار يخشون من الدخول إلى الجبل والقدوم إلى طرابلس.
في السابق، كانت معظم المعامل تنتج ما يفوق مليوني قطعة سنوياً، أما الآن فلا يتجاوز الإنتاج أكثر من مئة ألف قطعة. محسن عبد الكريم من الذين استمروا بالإنتاج ولكن بشكل متقطع «حسب الطلبية وحسب الرزقة والقدرة على تحمل كسر التسعيرة»، وهذا، بالطبع، مع تخفيض عدد العمال.
رئيس نقابة الخياطين في الشمال محمود شاليش، الذي أقفل معمله، تحدث عن صرف للعمال من دون أي تعويض، إلا من يرفع دعوى في القضاء. ولفت إلى أنّ هؤلاء غير مسجلين في الضمان الاجتماعي ويعاني أغلبهم من أوجاع في الظهر وضعف النظر وآلام الرقبة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو عن مصير أكثر من ألف عائلة فقدت مصدر رزقها في هذه المهنة وهذه المنطقة، من دون أن يحرّك أحد ساكناً تجاههم، بل إنهم هم أنفسهم لم يتحركوا أو يحتجوا واكتفوا بالانتقال إلى مهنة أخرى في شركة ما، أو سافروا.
عمار الحوراني، وهو عامل خياط (معلّم حبكة) يزاول هذه المهنة منذ ثلاثين سنة، قضى حياته خلف ماكينات الخياطة ليؤمن لقمة عيشه. ما إن تسأله عن الأحوال حتى يهزّ برأسه متحسراً على وضعه ووضع زملائه.
لم يستطع، من خلال هذه المهنة، أن يؤمن لأولاده أكثر من تعليمهم في المدارس الرسمية. يقول إن هذه المصالح قامت على أكتافهم، والتجار هم من قطف زبدة هذه المهنة وجنوا الأموال على ظهور العمال وصحتهم.
يعمل الحوراني حالياً في معمل خياطة منذ أكثر من 15 سنة من دون أي ضمان صحي ولا أية حماية اجتماعية، والأجر الذي يتقاضاه في الأسبوع هو نفسه الذي يتقاضاه منذ العام 2000: 180 دولاراً أميركياً!
الحوراني، وغيره كثر بالمئات، يسألون عن سبب عدم قيام مكتب الشؤون الاجتماعية ومكتب حماية العمال بحملة على أصحاب المعامل. وعن سبب عدم ملاحقة الضمان الاجتماعي للشركات التي تحرم موظفيها من حقهم. أما السؤال الذي يبدو من خارج السياق فهو عن دعم الدولة. يقول احدهم «بدل أن تعطونا الذخيرة والسلاح لنتقاتل، ومن ثم تدخل الهيئة العليا للإغاثة لدفع التعويضات، وفّروا هذه الأموال وأمّنوا لنا مصالحنا والمهن التي نعمل بها لنحافظ على رزق عيشنا وقوت أولادنا».

... وحلقة صناعة الموبيليا تتفكك



ضرب المطارق على الخشب هو ما تسمعه في بداية الصباح في الشارع. صوت المناشر وهي تئنّ عند العقد لتسلك طريقها وتصبح هيكل باب أو كرسي، أو صوت «توربينات» الهواء لدفع الطلاء لرش الموبيليا بالألوان المطلوبة. هذه الحيوية تشاهدها يومياً حتى وقت متأخر، فتبدو محال النجارة المتفرّقة كأنها مصنع متكامل يضم ورشة حفر خشب هنا، ومنشرة هناك، وغير بعيد عنهما ورشة طلاء.
في جبل محسن ما يفوق العشرين ورشة حفر على الخشب بين كبيرة وصغيرة.
ويصل تعداد مناشر تفصيل الموبيليا والنجارة العربية أيضاً إلى 25، أما عدد ورش رش الموبيليا فيصل إلى عشر. وهناك خمس ورش لتنجيد المفروشات تعمل بالحد الأدنى.
هذه المهن مكملة لبعضها البعض، فصاحب المنشرة يحتاج إلى من يحفر له النقوش لتزيين المفروشات، ومن ثم ورشة الدهان (رش الموبيليا)، وبعدها ورشة التنجيد لتنتهي معروضة في واجهة البيع، او في بيت الزبون.
سليمان المحمود (أبو أيمن) صاحب منشرة، لديه التزامات كبيرة على مستوى مدينة طرابلس، وفي عكار أيضاً. يصنع كلّ أنواع المفروشات، ويعمل جاهداً على التمسك بهذه المهنة ولا يريد تركها، ﻷنها مصدر رزقه رغم معاناته من الأحداث الأمنية الأخيرة التي جعلته يخسر الكثير من الالتزامات والعقود، حتى لم يعد قادراً على تحمّل هذه الضغوط. فهو يعمل بيده، ويشغّل معه أكثر من عشرة عمال ومعلمي موبيليا، فإذا تعطلت أعماله تعطلت معه الحلقة الكاملة: حفار الخشب، والدهان، والمنجد. يتحسّر على الماضي القريب، بعدما أصبحت مهنته اليوم عبئاً عليه لأنه لا يتقن غيرها. ففي هذا الظرف الحالي، الكل يشكو من الجمود في الطلب واقتناء المفروشات.
من يرسم النقوش والرسوم ليعطي تلك القطع الخشبية نوعاً من الحياة، على حد وصف حافظ محفوض، كمن يرسم على ورق. هو حفار يتكلم عن مهنته ومتاعبها، مع أنه يمارسها كهواية لأنها لا تكفيه ليعتاش منها وحدها. لديه «أوتوكار» لنقل الطلاب إلى جانب مهنة الحفر.
يعمل أخوته الأربعة أيضاً في المهنة نفسها، ولديهم ورشتهم الخاصة، وأحياناً تأتيهم طلبيات حفر من خارج الجبل، وإن كانت خفّت عن السابق كثيراً.
طلال يوسف، معلم رش موبيليا يتحدث عن مهنته بملل. لا شيء يشجعه على العمل فيها لما يشهده من منافسة اليد العاملة السورية في مهنته، وكل المهن. فهو يعمل بأجر يومي يبلغ حوالي الأربعين دولاراً في اليوم ولغاية الساعة الثالثة، في حين يتقاضى العامل السوري أجراً قيمته أقل من 20 دولاراً، ولغاية الساعة السادسة.
كان في جبل محسن أكثر من خمسة مصانع متكاملة، تحوي كل هذه المهن في مصنع واحد من رش وحفر وتنجيد وحتى واجهة عرض وبيع المفروشات ولم يبق منها سوى ثلاثة، فهذه مهن كلها في تراجع وانحسار. واللافت أن كل الذين تحدثوا عنها ليس لديهم أي تأمين صحي رغم مخاطر المهنة كالمنشرة ومخاطر روائح رش الموبيليا وخلافه.
لا أحد يرغب بأن يجلس في بيته وينتظر مساعدة، لكن هذه المصالح تحتاج دعم وحماية أصحابها من المنافسة وتأمين الاستقرار والأمان كي يتمكنوا من الصمود والاستمرار في كسب لقمة عيشهم بكرامة.