بين الروم الأرثوذكس والموارنة، استقرّ الرأي أن يكون الله درزياً اشتراكياً، بما أن الطقس الذي خصّنا به نهاية الأسبوع الماضي كان متقلّباً كما الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط في مواقفه.


على وقع هذه النكات، وفي أجواء قيامة المسيح التي حمّلت الأطفال سلالهم ليبحثوا عن البيض الملوّن، كان لا بدّ للطقس أن يبقى موصوفاً بالجميل، حتى لو كان عاصفاً وماطراً. ولأنه جميل، تبقى المشاريع المقرّرة لفصل الربيع قائمة، ومنها الزيارة التي لا يفوّتها معظم هواة السياحة الداخلية: محمية عمّيق في البقاع الغربي.

بحمدون المحطة

في الطريق من بيروت إلى عمّيق، يستوقفك جدار حجري قديم في بلدة بحمدون، هو آخر ما تبقى من محطة قطار الحديد التي أقيمت في البلدة مطلع القرن الفائت. اسم هذه البلدة تغيّر بعد اعتمادها نقطة لتوقف القطار فيها، فصار بحمدون المحطة. وكما اسمها، تغيّر الكثير في حياتها وحياة أبنائها، إذ شهدت ازدهاراً كبيراً قبل اندلاع الحرب اللبنانية، حتى عمد الكثير من الخليجيين إلى شراء أراض ومنازل فيها. وهذا ما حصل في عدد من القرى المجاورة لها، التي صارت تعرف لاحقاً بقرى الاصطياف.
لدى المرور في المكان، يجب أن تعرف، أنت العابر في سيارة سياحية أنه كان يمكنك قبل أكثر من مئة عام، القيام بجولتك هذه في القطار... بل كان يمكنك قبل أكثر من مئة عام، أن تصل إلى أوروبا عن طريق تركيا، من خلال سكة الحديد هذه التي كانت تصل أيضاً إلى حلب.
اليوم، لا مدينة حلب بخير، ولا سكة الحديد. رغم ذلك، يبقى الطقس جميلاً، خصوصاً بعدما تتداخل زهور الربيع وحشائشه الخضراء مع الثلج الأبيض المنهمر في منطقة ضهر البيدر وصولاً إلى شتورا.

ألبان شتورا
محال الألبان والأجبان هي الأشهر في المكان، لكنها تلقت ضربة قوية هذا العام مع إعلان وزارة الصحة عدم مطابقة بعضها للمواصفات. يؤكد صاحب أحد المحال أن الوزارة لم تكن قد أخذت عيّنة من محله عندما أصدرت نتيجتها، ويأسف لأن وسائل الإعلام لم تعمد في وقت لاحق إلى إعلان استيفاء المحل للمواصفات بناء على تقارير وزارة الصحة أيضاً. «كالعادة، تصدر التهمة مجلجلة وتغيب البراءة» يقول العامل من دون أسف. فهذه ليست أول مصائبه، ولا آخرها. منذ اندلاع الأحداث السورية والمنطقة كلّها تعيش أزمة اقتصادية حقيقية «الإنتاج تراجع إلى النصف، كلّ حركة المبيع تأثرت إذ خفّت كثيراً حركة السفر إلى سوريا».
زيارة محل الألبان هذه تكاد تعدّ طقساً لكلّ من اعتاد زيارة المنطقة، حتى لو استدعى الامر العودة بالسيارة بضعة أمتار في اتجاه المفرق المؤدي إلى محمية عمّيق الطبيعية. على الطريق من مكسة إلى قبّ الياس، وصولاً إلى عمّيق، لافتات طريفة تستدرج المواطنين إلى المحالّ، منها إطلاق اسم «كوكو» على الدجاج، أو إعلان عودة الأحذية (عدنا أحذية ابو ناصيف).


الطيور المهاجرة

المستنقعات تجعل من المنطقة نقطة جذب للطيور المهاجرة
دقائق، وتختفي عجقة اللافتات والسيارات وتجد نفسك في طريق معبّدة محاطة بالأشجار الباسقة من الطرفين.
إلى اليسار، تجد المستنقعات المائية التي تجعل من المنطقة نقطة جذب للعديد من الطيور المهاجرة التي يقدّر عددها بنحو 300 نوع ، بالإضافة إلى اعتمادها أحواضاً للأسماك النهرية حيث يمكن تفقيس البيوض فيها. حتى أنها توصف بالملاذ الآمن للكائنات النادرة في المكان. ومن الطيور المشهورة في المكان: أبو اليسر الأسود، والصقر الجارح، والنسر المرقط، والصفرد، والشنقب إضافة إلى أنواع أخرى من الطيور المائية التي تتوالد محلياً بعيداً عن خطوط الهجرة الموسمية.
هذه المستنقعات هي التي منحت المنطقة تصنيف «أرض رطبة ذات أهمية عالمية» منذ سبعينيات القرن الماضي، وهي تحظى بحماية اتفاقية «رامسار» الدولية، التي وقّع عليها لبنان، والتي تهدف إلى توفير الإطار الوطني والتعاون الدولي للحفاظ على المناطق الرطبة وترشيد استخدامها ومصادرها. كما تشكّل جزءاً من محمية اليونيسكو «الإنسان والمحيط الحيوي» لجبل الشوف وهو واحد من أفضل الأماكن لرؤية الطيور البرية في لبنان. ومن المفيد الإشارة إلى انه توجد في لبنان أربعة مواقع «رامسار» للأراضي الرطبة ذات الاهمية الدولية بوصفها موائل للطيور المائية، وهي إلى مستنقعات عمّيق: رأس الشقعة ومحميتا شاطئ صور وجزر النخل.


الست شعوانة

لكن الفارق بين هذه المحمية وغيرها، هو أنها ملكية خاصة لآل سكاف. وهذا ما تشير إليه اللافتات الصغيرة الموضوعة إلى يمين الطريق، وخصوصاً عند المفترقات المؤدية إلى المحمية الطبيعية. عند أحد هذه المفارق، لافتة تدلّ إلى مزار الست شعوانة، التي يقصدها الحجاج المنتمون إلى الطائفة الدرزية. باختصار يروي الشيخ المشرف على المزار قصة الست شعوانة، ابنة الملك الذي قرّر التخلي عن ملكه والالتحاق بالعبّاد الذين يعيشون من بيع الحصر التي يصنعونها، ويتعبّدون للّه. اصرّت الابنة على مرافقة والدها، ولكي تقنعه ارتدت ثياب الرجال طيلة حياتها. وفي يوم من الأيام، خلال بيعها الحصر في أحد أسواق المدينة، أعجبت بها ابنة الملك (بصفتها رجلاً) وعندما رفض/ت مجاراتها، اتهمته/ا بالاعتداء عليها والتسبّب بحملها. ورغم قدرتها على إثبات براءتها، قبلت النفي على الاعتراف بالحقيقة، التي لم تكتشف إلا عند وفاتها لضرورة غسل الميت.


السياحة البيئية
على بعد أمتار، ترتفع أشجار الأرز التي تشكل امتداداً لمحمية أرز الباروك. وقد باتت تشكل منذ سنوات محطة أساسية لهواة السياحة البيئية، فتجدها مدرجة على لوائح معظم النوادي التي تنظّم زيارات لمحبّي المشي في الطبيعة (الهايكينغ).
على الطريق الجميلة التي يمشيها السيّاح، يمكن الالتقاء بالرعاة مع مواشيهم من الماعز. قد يكون الكلب المرافق هو الأكثر إثارة للانتباه، بسبب أذنيه المقطوعتين. يقول الراعي إنهما تقطعان قصداً «لأن الكلاب عندما تتعارك، تعمد إلى عضّ الأذنين». هكذا يعتقد الراعي أنه يحمي كلبه من التعرّض للأذى، فيما يعلّق أحد العابرين في المكان على عدم صحة هذه الممارسة «لأنها تفقد الكلب ثقته بنفسه».
في مشاوير مماثلة، يمكن اكتساب الكثير من المعلومات عن أمور متنوّعة، تبدأ من أهمية المنطقة في تنوّعها البيولوجي، ولا تنتهي عند دروس اليوغا التي يقرّر أحدهم فجأة أن يلقنها لزملائه في المسير. وبينهما، قصص عن تاريخ المكان وكيفية تحوّله إلى ملكية خاصة لأفراد من عائلة واحدة (سكاف)، ثم تحوّله إلى محمية طبيعية.
إقبال السيّاح على المنطقة، شجّع على ابتكار أفكار اقتصادية مفيدة منها «مطعم طاولة» الذي بات يحظى بشهرة واسعة في أوساط المهتمين. هذا المطعم يعدّ نموذجاً لإنجازات المحميات الطبيعية الصديقة للبيئة، إذ يعتمد في تبريده وتدفئته بطريقة توفّر في استخدام التيار الكهربائي، المقاعد والطاولات الموجودة في المطعم صنعت من الخشب الذي أعيد تدويره، أما مصابيح الإضاءة فهي عبارة عن زجاجات نبيذ فارغة و«مراطبين» رسمت على معظمها مختلف أشكال الطيور التي تشكل مصدر غنى للمكان. وتعمل في المطعم مجموعة من سيدات المنطقة تحت إشراف «سوق الطيّب» الأمر الذي يساهم في تنمية المنطقة من خلال توفير فرص عمل لأبنائها.