قد يعتقد كثيرون أن وسائل التواصل الاجتماعي هي لمجرد التسلية فقط، وخصوصاً عندما يختص الامر بعالم الرياضة. لكن هذا الاجتهاد هو افتراض خاطئ الى حدٍّ بعيد، لأن «السوشال ميديا» أضحت لاعباً أساسياً في ملاعب الرياضة بمختلف أنواعها، والاخيرة ارتبطت بها إلى درجةٍ لم يعد بإمكانها الافتراق عنها بأي شكلٍ من الاشكال. هو زواج افتراضي يتحوّل الى أرباحٍ واقعية في أحيانٍ عدة، والى ثوابت في أحيانٍ أخرى، إذ بات لهذه المواقع مكان بارز بين المصادر التي تضيء أكثر على الرياضة والرياضيين.


وكما يعلم الكل، باتت الرياضة أكثر من متنفّس في عصرنا الحالي، إذ هي «بيزنس» بكل ما للكلمة من معنى، بحيث تتنافس الاتحادات والاندية على الالقاب وعلى الارقام التي تحصّلها في نهاية كل موسمٍ. وجاءت مواقع التواصل الاجتماعي لتكون أداة أخرى في يدها من أجل تحقيق مبتغاها في الملاعب والاسواق، وهذا ما ثبت في الموسم الحالي في القارة الاوروبية، وقبله في كأس العالم 2014 في البرازيل، حيث تبيّن من خلال الدراسات اهتمام الناس بـ«السوشال ميديا» بقدر اهتمامهم بأحداث المباريات، لا بل إن كثيرين ترقبوا تلك المباريات لإيجاد مادة يخرجون بها الى مواقع التواصل.
ففي المونديال الاخير انعكست الصورة العصرية لعالمنا الرياضي، ولم تكن هذه الصورة بالتأكيد مرتبطة بعضة الاوروغوياني لويس سواريز للايطالي جورجيو كييلليني، أو بمشهد احتفال الالمان بالكأس الغالية، بل من خلال ما عكسته التكنولوجيا وعالم الشبكة العنكبوتية على مواقع التواصل التي يصح القول إنها «انفجرت» في أكبر تظاهرة كروية.


«السوشال ميديا» كانت إحدى نجوم المونديال الذي حطّم الأرقام القياسية في التفاعل


على سبيل المثال، كان بالامكان التأكد مرة جديدة من أن كرة القدم هي اللعبة الشعبية الاولى في العالم من دون منازع، وذلك من خلال التفاعل الرهيب الذي ولّدته المباراة النهائية بين المانيا والارجنتين، حيث وصل عدد التفاعل معها على «فايسبوك» الى 280 مليون، ليتخطّى هذا العدد ذاك الذي عرفه نهائي بطولة كرة القدم الاميركية (سوبر بول) عام 2013، حيث وصل عدد التفاعلات الى 245 مليوناً.
أصلاً، فإن رقماً رهيباً خرجت به كأس العالم على هذا الصعيد، إذ وصل التفاعل الى مليار، وهو رقم لم يعرفه الموقع الشهير من قبل، تماماً كما «تويتر»، وذلك عندما قدّمت مباراة المانيا والبرازيل
(7-1) الشهيرة في نصف النهائي 35.6 مليون تغريدة، لتكون أكثر المباريات تغريداً في التاريخ!
الكلام عن كرة القدم ليس فقط إلا لإعطاء دلالة على مدى انغماس الرياضة في عالم «السوشال ميديا»، فهناك في كرة السلة الاميركية مثلاً تخطّى عدد متابعي فريق ميامي هيت على «فايسبوك» 15 مليون شخص، وحاز الفريق متابعة رهيبة أيضاً على «تويتر» و«إنستاغرام»...
كل هذه الارقام هي مجرد أمثلة للدلالة على السبب الذي دفع الرياضة الى «عشق» مواقع التواصل واستخدامها كمنصة لتحقيق مكاسب مالية اضافية، فكان تبنّي هذه المواقع لا بل توظيف أشخاص حتى للاهتمام بصفحات الاندية والاتحادات وحتى اللاعبين، فالتسويق يجلب الارباح، والاموال تجرّ معها الامجاد، وهكذا دواليك.
وبعد 11 عاماً تقريباً على إنشاء ذاك الشاب اليافع المدعو مارك زوكربرغ لموقع «فايسبوك» وحصده ثروة من خلاله، تتجمع الاندية العالمية الكبرى اليوم كالطفيليات حول هذا الموقع، ساعية الى تشغيل ماكيناتها الحاصدة للاموال أيضاً من خلاله، وذلك من خلال التسويق المجاني وتعزيز صورتها كماركة في أسواق العرض والطلب أيضاً، حتى باتت بمثابة المثال الناجح لأي عملية من هذا النوع في فضاء العالم الافتراضي.
الامر لم يعد مزحة أبداً، وخصوصاً عندما نرى ما يفوق 64 مليون بشري على صفحة مانشستر يونايتد الانكليزي، وهو رقم يفوق مجموع السكان لعدة بلدان مجموعة. لذا فإن مواقع التواصل أصبحت مصدراً أساسياً لمتابعة كل ما يختص بنادي «الشياطين الحمر»، وأصبح الموقع الرسمي للنادي في ظلّها، ولو أن أخبارها غير الصحيحة قد تكون كاذبة، لكن مع وجود فريق عملٍ لضبطها تصبح الامور أفضل. وهنا لا ضير في اللجوء إلى غسل أدمغة المحبين الكثر وعرض آخر البضائع وتسويقها، فإذا اشترى 1% من مجموع الموجودين على الصفحة يومياً تكون الارباح خيالية.
ولجذب الأنظار، وبعد دراسات معمّقة، تعمد بعض الصفحات الى استخدام أسلحة جذب معيّنة، منها الصور والفيديوات المرافقة لأي عبارة، والتي تثير بطبيعة الحال كل المتابعين، وتزيد من عددهم بلا شك، وهذا الامر عزّز أيضاً حضور بعض الاندية واللاعبين على «إنستاغرام»، رغم أن هذا التطبيق الحديث النشأة غير منتشرٍ مثل «فايسبوك» أو «تويتر» حول العالم. و«إنستاغرام» تحديداً تحوّل سلاحاً فردياً للنجوم الذين يحبّون اللهو، وقد كشف قوته نجم الـ «أن بي آي» ليبرون جيمس، الذي يعدّ أحد أكثر الرياضيين شعبية هناك بعددٍ من المتابعين قارب 10 ملايين. لذا عَلم «الملك» أن أفضل مكان لنشر أهم نبأ يختص به كان «إنستاغرام»، وذلك عندما قرر العودة الى فريقه الأم كليفلاند كافالييرز قادماً من ميامي هيت، حيث استغرب كثر تلك الخطوة التي أقدم عليها بنشره الخبر في ذاك الموقع. لكن الواقع من يحتاج الى صحيفة عندما يكون بإمكانه الوصول الى الملايين في نقرة واحدة؟
علاقة مجنونة بين الرياضة و«السوشال ميديا»، وتطوراتها كثيرة، وتصل أحياناً الى ذروتها بمجرد كلمات بسيطة تثير ذاك الجمهور وتجرّه الى الملعب لمواجهة خصمه، أو ذاك اللاعب للنزول الى مستوى أولاد الشوارع في ردّه على شتائم كارهيه. لكن الاهم طبعاً أن هذا الزواج ينجب العنصر الاهم في عالم الرياضة حالياً، ألا وهو المال.