تغفو ثريّا على عنق نجمة. نبض قلب الفتاة الصغيرة، التي لا يتعدى عمرها سبعة أعوام، أكثر هدوءاً من نبض نجمة، «المهرة». افترشتا تراب الباحة الأمامية للإسطبل الصغير، بعدما أنهتا توّاً صولات وجولات من اللعب والركض منذ ساعات الصباح الباكر. يطول العناق بينهما لدقائق عدة، قبل أن تصهل الفرس الأم «ثريا»، لتنهض نجمة وتلحق بها الطفلة ثريا، وتبدأ جولة أخرى من اللعب والقفز. لا يكاد يمضي بعض الوقت، حتى تصبح ثريا فوق ثريا.


الطفلة تمتطي صهوة الفرس الأم، وجولة سير بطيئة بين حنايا باحة المزرعة في دورس ـ بعلبك، تحت رقابة الوالد يوسف جاري.
ثريا، كما شقيقها ياسر، تعلقا بالفرس ثريا واهتما بها منذ كانت مهرة صغيرة. تعلما ركوب الخيل عليها، وازداد تعلقهما بها أكثر بعد ولادة «نجمة»، حتى باتا يقضيان معظم أوقات فراغهما في المزرعة مع الخيول بحسب الوالد.
ليس هناك من صعوبة لدى جاري في شرح ذلك الهدوء في العلاقة بين ابنته ثريا وبين الفرس الأم والمهرة نجمة. يؤكد الرجل أن الخيول العربية الأصيلة، والتي لا تزال موجودة في مزارع تربية الخيول في منطقة بعلبك ـ الهرمل تتميز بصفات وخصال عديدة، إحداها أنها تعرف صاحبها جيداً وتتمتع بذاكرة حادة تمكنها من «تمييز صوت صاحبها حتى قبل أن تراه، ومن ضغطة فخذيه على جذعها بعد الركوب عليها». هي ترتاح أيضاً لصاحبها «الودود واللطيف في التعامل معها والذي يطعمها وينظّفها». يتابع: «حتى اللمسة تؤثر في الخيل، فتجعلها هادئة مع اللمسة الهادئة، وقاسية بردة فعل غاضبة مع الذي يتعامل معها بقساوة».

ذاكرة البقاع

بين الخيول العربية الأصيلة والبقاع، تاريخ طويل. فمنذ قرون عدة وفدت من العراق ونجد عائلات بقاعية عديدة ومعها خيولها العربية الأصيلة، لما كانت تمثل من مكانة خاصة لديهم ومقام مرموق، بالنظر إلى ارتباطها الوثيق بعاداتهم وتقاليدهم وأتراحهم وأفراحهم وفي سائر مناسباتهم على اختلافها. ليس هذا وحسب، فالاهتمام بالخيول كان من أيام الجاهيلة، إلا أنه احتل مكانة رفيعة في الإسلام. فقد ورد ذكر الخيل في آيات قرآنية، وذكرها النبي محمد بأحاديثه ومنها: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»، وفي حديث آخر «عليكم بإناث الخيول فإن ظهورها عزٌّ، وبطونها كنز».
الفنان البعلكبي علي حليحل عشق الخيل العربية الأصيلة حتى الوله منذ نعومة أظفاره. دفعه شغفه إلى التفتّيش في تاريخها، وموطنها الأصلي، وفي عاداتها وتقاليدها ومستلزماتها التاريخية، وهو يمتلك اليوم مزرعة لتربية خيول عربية أصيلة، في مدينة الشمس.


عند العشائر التي تعنى بالخيل وتربيتها تقاليد وتصرفات وضوابط أميرية

يقول حليحل إن «الحصان العربي موطنه الأصلي أرض نجد في الجزيرة العربية، وقد ساعدت الطبيعة والمساحات الشاسعة وبُعْد المضارب (خيام البدو) عن المراعي والصيد والحروب، في اقتناء الخيول من قبل القبائل والعشائر، مع حرصهم على عدم اختلاط دمها بدماء الخيول الأخرى، حرصاً وحفاظاً على نسلها الفريد». يشرح الرجل أن الخيل العربية الأصيلة «غالية على الإنسان العربي وكانت بالنسبة له بمثابة عرضه وشرفه، حتى أنهم أنشأوا عرّافة للبت والحكم في نزاعات المقلدات، (النساء والخيل: نسبة إلى أن المرأة كانت تلبس القلادة، وكذلك الخيل الاصيلة)، عدا عن الاحتفاظ بحجج أسمائها وأصلها ونسلها».
عند العشائر والعائلات البقاعية التي تعنى بالخيل وتربيتها، تقاليد وتصرفات وضوابط «أميرية» بحسب حليحل، «مثل ما الكلام والتصرفات والعلاقات في المناسبات محكومة بقواعد، كذلك ركوب الخيل. فالأتراح ليست كما الأفراح أو مناسبات استقبال ضيوف المنطقة. في الأتراح (المآتم) كان لا بد من أن تتشح الخيول بالسواد، وينفّذ الفرسان ثلاث «هدّات» على خيولهم (مشاوير بين منزل الفقيد والمعزين)، كدلالة على الوقار والاحترام للفقيد، وسط هتافات «يا حيف يا حيف يا فلان»، ويعرّفون من بعدها عن أنفسهم، وهو أشبه بتكريم لائق للفقيد. أما في الأفراح والاستقبالات، فالخيّالة يزيّنون جيادهم، وينفذون عليها «هدّة» واحدة، مع الغناء والدبكة».
لكن، هل كانت الخيل حكراً على العشائر والأمراء والاستعراضات أم أنها كانت متوفرة لدى الجميع؟ لا يخفي حليحل أن الخيل العربية الأصيلة كانت موجودة فقط عند عشائر وعائلات معينة، «كالحرافشة وآل حدّارة وعراجي وحميّة وحماده وبعض العائلات الأخرى». يبتسم للتوصيف الذي يستخدمه، فيشير إلى أن «الناس كانوا ينظرون قديماً إلى الفرس ونوعيتها وخيّالها، كما في أيامنا هذه، فالفرس كانت للزعامة والقوة والحرب، لما تمثله من منظر جميل وهيبة، كما السيارة الحديثة في يومنا هذا، بالوقت اللي كانت فيه الناقة تمثل وسيلة للنقل البعيد وهي أشبه اليوم بالكميون، أما الحمار والبغل فكان للنقل والتجارة، وبمثابة «التريلّة» وجرارها الزراعي اليوم».

الخيول وأنواعها

الخيول العربية الأصيلة تعود إلى خمسة أصول تفرّعت عنها باقي الأنساب، وتلك الأصول هي «الصقلاوية والكحيلة والصبيان وأم عرقوب والشويمة». لدى حليحل الرواية التاريخية لتلك الأصول سمعها جيداً من معمّرين في المنطقة، وتشير الرواية إلى أن أصل الخيل العربية، بلاد اليمن بالقرب من سد مأرب، الذي انهار وأطاحت مياهه بالزرع والحيوانات الموجودة بالقرب منه، وقد تمكنت خمسة أفراس (أو فروس) من الهرب باتجاه البادية السعودية، حيث عثر عليها في البادية خمسة رجال، نيّتهم كانت ذبحها وأكلها، لكنهم أعجبوا بجمالها وسرعتها في الصيد فقرروا اقتناءها. ويشير حليحل إلى أن الأولى أطلق عليها اسم «العبيّة»، نسبة إلى تهادي عباءة صاحبها على عسيبها الطويل، أما الثانية فأطلق عليها «الشويهة أم عرقوب» لكونها ملتوية العراقيب (أسفل ساقها)، والثالثة الشقراء المنقّطة بشامات بيضاء واسمها «شويمة» (ومنها عشرون نوعاً)، بالإضافة إلى الرابعة وهي «الصقلاوية» (ومنها عشرون نوعاً)، و«الكحيلة» ومنها أكثر من 200 نوع (الحمدانية، والودنة والهدباء والخرساء...).
إلا ان اقتناء الخيول العربية الأصيلة كان يخضع الى انتقاء الالوان، لارتباطها بأنواع معينة، ويوضح حليحل ذلك بقصيدة، باللهجة البدوية:
«الخيل الزُرق مركوب الإمارة، والنبي وكل الموالي
والخيل الشُقر ان كنتم تصدّقوها، تجيب الذيب من روس الجبالي
وخيل الحُبش لا تئنوا (تقتنوا) رسنها، تجيب ولادها ذي البغال
وخيل الدُّهم (الأدهم أي الاسود وهو نوع نادر ومطلوب) خلوها لحزّات الليالي وكل الخيل للحمرا عبيد، مثل الست تخدمها الجواري».
وللفرس العربية مواصفات تنفرد بها عن سائر الخيول في العالم، ومن أجل ذلك تسعى دول في مقدمها بريطانيا الى تهجين الخيول العربية كما يؤكد علي حمية صاحب إحدى مزارع تربية الخيول في بلدة طاريا. فالحصان العربي يختلف لجهة فقرات الظهر، فهي أقل من غيرها من أنواع الأحصنة، مع جلد رقيق تظهر من خلاله العروق، وأذنين نافرتين وعيون قاسيتين وجبهة واسعة «كالترس»، فضلاً عن عنق طويل مستقيم يتّسع نحو الصدر والكتفين. ولعل الأجمل في الخيل العربية بحسب حمية «السليل (الشعر) المتهدّل على طول العنق والرأس، مع عسيب (ذنب) طويل وبيت شكال (إسوارة اليد) وعشقها للموسيقى وقدرتها على التناسل والانجاب وان تقدمت بالعمر، والسرعة في شفائها من الكدمات والجروح».

ولا من يسأل أو يهتم

رغم كل تلك الصور الجميلة للخيول العربية وميزاتها، وحفاظ البقاع وعكار على ذلك الإرث من خلال اقتنائها وإقامة مزارع لتربيتها، إلا أن الدولة اللبنانية، ومنذ سبعينيات القرن الماضي «لم تُعر هذا القطاع أي اهتمام أو معالجة لمشاكله»، كما يؤكد عبد الناصر عثمان عضو الهيئة الإدارية لجمعية العناية وتربية الخيول العربية في بعلبك ـ الهرمل. يملك الشاب البعلبكي، الولِه بالخيل العربية منذ صغره، مزرعة لتربية الخيول العربية الاصيلة من أصل مئة مزرعة في منطقة بعلبك ـ الهرمل.

لم تعر الدولة اللبنانية منذ
السبعينيات هذا القطاع أي اهتمام
أو تعالج مشاكله
«منذ أيام الرئيس كمال شمعون لم يهتم أحد بهذا القطاع، في الوقت الذي تتسابق فيه الدول للاهتمام بهذه الثروة»، يقول عاتباً. يقتصر الاهتمام بكل تلك الخيول على ما تقوم به الجمعية، بمبادرات فردية من أعضائها الخمسين واشتراكاتهم الشهرية المتواضعة، لتتركز أولوياتهم على «الحفاظ على هذه الثروة الوطنية والتراثية، حتى لا تندثر وتصبح قصصاً تروى لأجيالنا المقبلة».
الخيول العربية الأصيلة في بعلبك ـ الهرمل باتت مصدر رزق لعدد من العائلات، سواء من خلال بيع ما تلده، أو تأجيرها للمناسبات والاستقبالات. في عام 1997 بدأ مربو الخيل العربية في المنطقة بتنظيم سباقات للخيول في بعلبك، واستمر الأمر طوال عشر سنوات حتى عام 2007 تاريخ تنظيم آخر سباق في بلدة دورس. يعزو عثمان السبب إلى «عدم توفر القدرة المالية في ظل عدم وجود أي دعم من وزارة الزراعة»، كاشفاً أن «تربية الخيول تتراجع في البقاع بسبب غياب اهتمام الدولة بهذا القطاع، فضلاً عن تفشّي ظاهرة مافيات الخيل التي تحتكر عمليات بيع وشراء الخيول، فهم يشترون الخيول الأصيلة (تبلغ كلفة تربية الفرس الأصيلة حتى عمر 3 سنوات 20 ألف دولار لجهة النظافة اليومية وما تحتاجه من أدوية ومستحضرات، ورعاية طبية وغذاء مركب)، بأسعار زهيدة (7 إلى 8 آلاف دولار)، مقارنة بثمنها الحقيقي الذي تباع فيه إلى تجار من دول الخليج بمبالغ باهظة تفوق المئة ألف دولار، ودون أن يكون للدولة أي نوع من الرقابة او ضبط للأمور».
اهتمامات الجمعية تكاد تنحصر على تقديم خدمات لمربي الخيول، وإن كانت متواضعة، إلا أنها تعود عليهم ببعض النفع، والتوفير المالي، ويشير عثمان إلى أن الجمعية تمكنت من الحصول على جوادين ما يمكّن مربي الخيول العربية في المنطقة بتزويج «فرسهم» في مزرعة الجمعية من دون أن يرتبوا على أنفسهم كلفة مالية للنقل إلى بيروت ومناطق أخرى وتصل حد 200$ عن كل مشوار». وإلى جانب ذلك تسعى الجمعية إلى الحصول من بلدية بعلبك على قطعة أرض في المدينة، بهدف تحويلها إلى ما هو أشبه بنادٍ للخيول، يشمل تربية الخيول وتدريبها على السباقات، وصولاً إلى تعليم ركوب الخيل. المشروع ما زال حتى اليوم رهن موافقة بلدية بعلبك، ويكشف عثمان، عضو الهيئة الإدارية في الجمعية، أنهم يعوّلون كثيراً على رئيس بلدية بعلبك الحالي الدكتور حمد حسن «الذي سنلتقيه قريباً، ونرى فيه شخصاً متجاوباً مع المشاريع التي تعود بالنفع على المنطقة وأهلها وخصوصاً تلك التي تتعلق بالتراث والسياحة».




«المسروجة»

«المسروجة» مصطلح كثيراً ما تسمع البعض يردده،
لكن قلة أولئك الذين يعرفون معناه. في ذاكرة الفنان علي حليحل صور للمسروجة وحكاياتها. حِداؤها، ولباسها، وعاداتها وأشخاصها. لدى وفاة زعيم إحدى العشائر أو العائلات المرموقة في البقاع، كانت وفود المعزّين تتقاطر إلى بلدة الفقيد ومنزله على الخيل، بعد أن يرسلوا الخراف (الذبائح) وقاراً واحتراماً للفقيد ومكانته. في منزل المتوفى مراسم عزاء، وفرسه عند المدخل «مسروجة» بعباءته وعقاله والحطاطة والسيف والترس، وصولات من الحداء والرثاء. إلا أن الفرس «المسروجة»، وقبل دفن صاحبها، ثمة من يضمر لها من شباب عائلة الفقيد، قطع «عراقيبها» (أسفل ساقيها) بالسيف، حتى لا يمتطيها أحد غير خيّالها، كعادات وتقاليد متوارثة منذ القدم. «لكن خيّالة آل حمية كانت توكل إليهم مهمة حماية تلك الفرس، فكان يمتطيها الخيّال ويصول ويجول فيها بين من يريد قطع «عراقيبها» وعلى مرأى من الحضور، ليتمكن من إنقاذها ومنع موتها، ولتبقى من بعدها في منزل صاحبها إلى حين تموت من دون أن يتسنى لأحد أن يركبها من بعده»، كما يروي حليحل.