■ انتعشت في الفترة الأخيرة ظاهرة التحليل السياسي، ما هي الأسباب التي دفعت إلى هذا الانتعاش؟ ولماذا لجأ الإعلام إليها؟

مع كل استحقاق كبير في المنطقة، تجد وسائل الإعلام نفسها أمام حالة «لايَقين» كبيرة. حالة لم تولد من العدم، وإنما ساهمت في وجودها أسباب عدة، لعلّ أهمها فشل هذه الوسائل في إدارة علاقتها بمصادرها بشكلٍ فاعل. فالأخيرة مراوغة.

تتوسل أسلوباً ذكياً وناعماً في إيصال المعلومة، فتحجبها حيناً وتتحكم بها أحياناً، على شاكلة ما فعلته الولايات المتحدة الأميركية مع الإعلاميين خلال حربها على العراق. ثم إن حصول الوسيلة الإعلامية على المعلومة ليس سهلاًً، فهو مكلف من الناحيتين المادية والسياسية، لأنه ليس بمقدورها أن تكون بمنأى عن علاقتها بأهل السلطة، والمعلومة بالتالي لها ثمنها. وليس صحيحاً أن المعلومة تسبح في بحر من المجانية، فمن يعطيها لا يتبرع بها، وإنما له أهداف معينة، قد تكون مثلاًً اختبار نيات أو تشكيل حلقة ضغط أو جس نبض. وإلى كل ذلك، سيضاف أيضاً ضعف الكادر الإعلامي في طريقة إدارة المعلومات، لأسباب كثيرة منها مثلاًً ضغط الوقت أو النقص في المهارات.
كل هذه الأسباب أوصلت وسائل الإعلام إلى المكان الذي أصبحت معه الحاجة ملحّة لملء هذا الفراغ. من هنا، دخلت هذه الأخيرة عصرها الجديد: المحللون السياسيون الذين باتوا اليوم مكوّناً أساسياً من عدة الشغل.

■ هل يمكن إدراج هذه الظاهرة ضمن خانة المهن الجديدة التي يصنعها الإعلام؟ ومتى وكيف ولدت؟
ليس هناك مهنة اسمها التحليل السياسي. هناك موضة «درجت» مع بداية الغزو الأميركي للعراق. وفي لبنان، حدث ذلك دفعة واحدة. دخل الكل في الموضة، التي تغذيها الاستخبارات. هكذا، لم يعد الإعلام مستقلاًً. صار رهينة «غزوة» محللين، اختلط معها الإعلام بالاستخبارات التي تتفوق في غالب الأحيان. وتسير الأمور على هذا النحو، في ظل حاجة الإعلام إلى المصادر. فلا يعود الأخير قادراً على تأدية دوره المستقل. وهذه تتبدى كثيراً إبان الأزمات والحروب والاستحقاقات الكبرى، لنجد أنفسنا أمام حرب معلومات، لا أمام إعلام.

■ ما الخدمات التي تقدمها حرب المعلومات؟
يراهن الكثيرون على حرب المعلومات، التي تقع ضمن إطار إيديولوجيا القوة الناعمة التي اعتبروها الطاقة غير الملوثة والتي لا يسقط من جرائها ضحايا، كما الحروب العادية. لهذا، مثلاًً، نشهد انتعاشاً في مراكز الدراسات التي تضخم على هامشها ما اصطلح على تسميته المحللين السياسيين ونجوم «النيو ميديا». هؤلاء الذين يوحون بأنهم «موسوعيون»، على عكس ما هو الواقع. فهؤلاء لا يكدّون من أجل المعلومة. كل ما في الأمر أن هناك مركز دراسات فيه استخبارات تمدّهم بمعلومات، تكون في الغالب متشابهة في ما بينهم. يقولونها. وفي معظم الأحيان، يقولون مغالطات كبيرة ولكنها تعبر، لأن المستمع، مثلاًً، ليس ضليعاً في الملف الذي يتحدث فيه المحلل.

سألناه عن المبلغ الذي
يتقاضاه لقاء الحوار فجاء الجواب سريعاً: 150 دولاراً

■ على من تقع مسؤولية تسويق هذه «الموضة»؟
المسؤولية متشعبة. ولكنها، في الدرجة الأولى، تقع على عاتق وسائل الإعلام. فهناك كمّ كبير من المعلومات يسوقه المحلل، لا نعرف من أين مصدره؟ ولا أساسه؟ ولا مدى صحته؟ ومع ذلك تعبر بمغالطاتها. أضف إلى ذلك إن مراكز الدراسات التي يستند إليها هؤلاء كلها هي مراكز دراسات استراتيجية، أما مراكز البحث العلمي فشبه معدومة.

■ ما أبرز صفات من اصطلح على تسميتهم المحللين السياسيين؟ وكيف يسهم الإعلام أيضاً في تسويقهم؟
السمة المشتركة بين معظم المحللين هي إيهامنا بسعة اطلاعهم. فهم قادرون، مثلاًً، على قراءة ما يجري في كل دول العالم، ومعظمهم يكررون الكلام نفسه. وهذا سيئ. أما الأسوأ، فنحن المتلقين. فالغالبية منا ليس لديه الأهلية للتدقيق في المعلومة الواصلة إليه. أقصى ما يمكن أن يفعله هو القيام برد فعل على كلام استفزه. وهذه قد تكون غائبة، لأن المستمع لا يرغب في سماع إلا ما يحبّه. فهو «مقرّر» ماذا يريد. وهذه ليست أزمته وحده، فوسائل الإعلام نفسها لم تستطع استقطاب فئة غير فئتها، في ظل لعبة موازين القوى التي تتخذ في لبنان طابعاً انقسامياً محلياً. والأرجح أنه مقصود في بال المؤسسات الإعلامية. هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، فتنحو غالبية المؤسسات الإعلامية نحو صناعة نجومها. من أجل هذا مثلاً، بتنا نرى أجيالاً من المحللين، كلما استهلك واحد منهم حضر البديل. وقابلية هؤلاء للاستهلاك سريعة جداً، بسبب تكرار طلاتهم الإعلامية، علماً بأنه في مرحلة الصعود، يتضخم دور هؤلاء بطريقة وهمية إلى درجة يشعر معها الناس بأن الإعلام قادر على صناعة الظاهرة. وهي فكرة فيها الكثير من المغالطات، فالإعلام ليس قادراً على صناعة الظواهر ولا الثورات، فكل ما يمكن فعله هو التسريع بها أو إبطاؤها، لا أكثر ولا أقل.