نحو شاطئ المنصوري أطلقت الناشطة البيئية منى خليل مطلع هذا الشهر آخر دفعة من صغار السلاحف البحرية، بالتعاون مع متطوعي جمعية «الجنوبيون الخضر». بواحدة وأربعين سلحفاة، من نوع (كاريتا كاريتا)، أنهت خليل وحمى السلاحف البحرية التي تشرف عليها في المنصوري (قضاء صور)، موسم تكاثر السلاحف البحرية لهذا العام. هذه السلاحف التي بدأت أمس رحلتها في غمار البحر، حظيت مذ وضعتها أمهاتها بيوضاً، برعاية خاصة من خليل وفريق عملها.


إذ قام الفريق، قبيل بدء موسم التكاثر في شهر أيار، بتنظيف الشاطئ الرملي الممتد على مساحة كيلومتر ونصف، محاولاً توفير الجو الملائم لوضع البيوض الذي يشترط توافر ظلام دامس وهدوء تام. بين شهري أيار وتشرين الأول، كان الفريق يرصد فجراً الأعشاش التي وضعت، ويحصي عدد بيوضها ويحدد أماكنها ويسيّجها بقفص حديدي لحمايتها من أقدام المارة ومن الثعالب والكلاب التي تأكلها. وعندما يحين موعد التفقيس بعد حوالى 45 يوماً، يرفع الفريق البيوض ويطلقها باتجاه البحر. لكن الحضانة التي توفرها خليل (67 سنة) ليست كافية. خبيرة الآثار استقالت من وظيفتها في متحف لاهاي في هولندا عام 1999، لتنذر حياتها لحماية السلاحف البحرية في مسقط رأسها في المنصوري منذ تحرير الجنوب. الآن بعد انتهاء الموسم، بدأت خليل عملية تقييمه ومقارنته بالمواسم السابقة، ولم تخف خوفها من الآتي. «أم السلاحف» قلقة على مستقبل أولادها من عوامل عدة. تلوّث البحر والتغير المناخي واستثمار الشواطئ بما يضرّ بالبيئة، يؤدي عاماً بعد عام إلى تناقص عدد الأعشاش الموضوعة. تشير خليل إلى أن عددها عام 2006 كان 83، تناقص على نحو تدريجي إلى أن سجل 37 عشاً عام 2013. علماً بأن المعدّل العام الذي سجلته خلال تجربتها طوال 14 عاماً كان 50 عشاً. إلا أن الكارثة الكبرى كانت هذا الموسم بوضع 12 عشاً فقط من نوعي (كاريتا) و(ذات الرؤوس الخضراء). 110 بيضات هي المعدل العام لكل عش، لكن ما يصمد منها حتى تخرج إلى الحياة لا يزيد عن 50 في أحسن الأحوال.
قبل عام، خاضت خليل معركة مع بلدية المنصوري، بعد اقتراح خطة لاستثمار الشاطئ سياحياً على غرار شاطئ صور. وجهت كتاباً إلى وزارة البيئة تشرح فيه مخاطر المشروع على تكاثر السلاحف التي يمنعها الضوء والضوضاء. جمّد الخطر موقتاً، لكنه ليس كافياً أيضاً. تؤكد خليل أن «الأشغال العشوائية والاستثمارات السياحية الممتدة على طول السواحل الجنوبية من الزهراني إلى عدلون والبقبوق حتى صور والرشيدية والناقورة ومقار اليونيفيل، تضرّ بحركة السلاحف البحرية، ما يدفعها إلى تغيير اتجاهها عاماً بعد عام نحو السواحل الفلسطينية المحتلة الشبيهة جغرافياً بشواطئنا. لكن الفارق أنها تجد رعاية لدى العدو الإسرائيلي. علماً بأن السلاحف عادة، عندما تبلغ سن الإباضة في الثلاثين من عمرها وما يزيد، تعود إلى الشاطئ الذي ولدت فيه لتضع بيوضها». الخطر المحدق دفع بناشطين بيئيين إلى إعلان حال الطوارئ. رئيس جمعية «الجنوبيون الخضر» هشام يونس دعا وزارة البيئة إلى إعلان الخامس من أيار، يوماً وطنياً للسلاحف البحرية. الجمعية أطلقت ميثاق شرف إعلامي يطلب من وسائل الإعلام تعميم الوعي وتخصيص مساحة مهمة لقضايا البيئة والإضاءة على الأنظمة الإيكولوجية والامتناع عن رعاية وتغطية أي نشاط لا يلتزم معايير الحفاط على البيئة.
من جهتها، أطلقت وزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة ومرفق البيئة العالمي من بلدية الناقورة، مشروع «سياسات التسويق وتطوير القوانين من أجل دمج الإدارة المستدامة للأنظمة الإيكولوجية البحرية والساحلية في لبنان» الذي يهدف إلى الحفاظ على التنوع البيولوجي البحري والساحلي من خلال إصلاح السياسات والقوانين ومشاركة أصحاب المصلحة.