لا إطارات محترقة عند المفرق المؤدي إلى عرسال. لكن آثار حريق آخر لا تزال واضحة على المبنى الذي كانت تشغله فصيلة الدرك عند مدخل البلدة. هنا، استشهد كمال عز الدين الذي تصدّى مع ابن بلدته حسين نوح للدفاع عن القوى الأمنية في 2 آب الفائت. هو فارق الحياة، فيما لا يزال نوح يخضع للعلاج في المستشفى. يعتب عدد من أبناء البلدة على الإعلام الذي لم يبرز هذه القصة، في حين «يجهد لتشويه صورة عرسال وتسميتها بالبيئة الحاضنة للمسلّحين».


الجدارية التي رسمت على حائط كائن على الطريق المؤدية صعوداً إلى البلدة تؤكد احتضان الأهالي للجيش. رسم نازح سوري مقيم في البلدة الأطفال ملتفين حول الجندي اللبناني، وكان «تكتل منظمات المجتمع المدني» ينوي افتتاح الجدارية في 2 آب لتوجيه تحية إلى الجيش في عيده، لولا اندلاع المواجهة مع المسلّحين ودخول عرسال في «الأزمة الكبيرة». هكذا يسمّي الجميع ما حصل في ذلك اليوم. هذه الحادثة مختلفة كثيراً عن سابقاتها، ومنذ وقوعها، بات الوضع في عرسال مفتوحاً على كلّ الاحتمالات. ينام الجميع بعيون مفتوحة، ومن يجد إلى النوم سبيلاً، يكن قد أوصد باب بيته بالأقفال أو بالحديد.
من يدخل إلى عرسال لا يشعر سريعاً بثقل هذا الخوف. الحركة عادية. بعض أعمال البناء لا تزال مستمرة، واللافتات المنتشرة هي إعلانات من المدارس ومن المعهد الفني عن مواعيد التسجيل للعام الدراسي. هذه مؤشرات إيجابية، خصوصاً بالنسبة إلى مهنية عرسال، التي شهدت معركة بين الجيش اللبناني والمسلّحين المقيمين في جرود البلدة. تولى فريق من المتطوّعين من أبناء البلدة تنظيفها، وبدأت مطلع الأسبوع استقبال الراغبين في التسجيل، على الرغم من أن الموعد الرسمي يفترض أن يكون اليوم. أما المدارس، فتشهد ازدحاماً من قبل الأهالي لتسجيل أولادهم. وعدد من المدارس لم يفتح أبوابه الاثنين الفائت أمام التلاميذ، كما كان مفترضاً، بسبب الانهماك في التسجيل. هذا ما تقوله صفية، المعلّمة في مدرسة الملاذ الخاصة، مؤكدة أن من يسمع الأخبار من خارج عرسال ليس كمن يعيش فيها، «الحياة عادية كما ترين، وكلّ شيء على ما يرام».
لكن رنا، التلميذة في الصف السادس، ليست على ما يرام. تمسك يد رفيقتها بحذر في طريق العودة من المدرسة. خائفة هي، وتعترف بذلك. يشغل بالها ما الذي يمكنها أن تفعله في حال «صار شي، وكنت في المدرسة ولم أستطع العودة إلى البيت». تدمع عيناها وهي تتخيّل هذا السيناريو، ثم تطمئن نفسها بالقول: «أمي قالت لي خلّي إيمانك بالله كبير». أما رفيقتها فلا تريد أن تعلّق على الموضوع، انسجاماً مع طلب المعلّمات منهم في المدرسة «أن لا نحكي في السياسة أبداً».

غادرت عرسال
أكثر من 200 عائلة
منذ 2 آب الماضي


دموع ابنة العشر سنوات لا تختلف عن دموع السيدة الستينية التي تعيش قلقاً لا تعرف للشفاء منه طريقاً. تتذكر كيف ألقت حفيدتها، ابنة الثلاث سنوات، التحية على المسلّحين الملثّمين «السلام عليكم يا داعش» قالت لهم، شارحة في ما بعد لأهلها أن هذه العبارة ستجعلهم يتركونهم بسلام. «ماذا تشعرين وأنت تلاحظين كيف صار الأطفال يتصرّفون؟». حتى هي، لم تعد تعرف ماذا تفعل في البيت، ولا كيف تتدبّر أموره. هل تعدّ مؤونة الشتاء أم لا؟ هل تبقى في عرسال أم تغادرها؟ وإذا غادرتها... إلى أين؟
أكثر من 200 عائلة غادرت عرسال بعد الأحداث الأخيرة، وعدد مماثل من العائلات السورية أيضاً. عبارة «فلّيتوا أو بعد؟» تسبق التحية الصباحية، خصوصاً إذا كان السؤال موجّهاً إلى شخص من الذين وردت أسماؤهم في «اللائحة». لا يتفق أحد من الذين التقيناهم في البلدة على عدد الاشخاص الذين وردت أسماؤهم في لائحة المطلوبين للإعدام من قبل المسلّحين. منهم من يقول إنها 16 اسماً، عرضت في اجتماع عقد في البلدة وحضرته فعالياتها، ومنهم من يقول إنها 40، ويردّد البعض أن أمير جبهة النصرة في القلمون أبو مالك التلّة قال للحاضرين إن من بين المطلوبين من هو موجود معنا في هذا الاجتماع. هناك أسماء باتت معروفة وغادر أصحابها «حقناً للدماء» كما يقول أحدهم.
ملحم الحجيري من الذين غادروا البلدة، بعدما تعرّضت معدّاته في جرد عرسال للسرقة. قرّر المغادرة حقناً للدماء «أترك بيتي ولا أرفع سلاحاً، أو أترك أولادي يرفعونه، بوجه أبناء بلدتي». أبو الوليد، الذي يقيم الآن في صيدا، عاطل من العمل، والتقته «الأخبار» بينما كان يتقدّم بشكوى في المخفر بشأن معدّاته «لكي أحفظ حقي في حال استعادها الجيش يوماً».
«عدّة للبيع» واحدة العبارات التي تجدها مكتوبة على جدران الأحياء، كما يوجد عدد من الجرافات أمام البيوت عاد بها أصحابها من الجرد. توقفت الأعمال، ويخشى الكثيرون الاصطدام بالمسلّحين الذين يسرقون المعدات «إذا جاء ليسرقني، هل أتركه يأخذ عدّتي من دون مقاومة؟ فضّلت الانسحاب»، فيما يحكي طارق الحجيري عن صديقيه اللذين باعا شاحنتيهما الصغيرتين «البيك آب» وينوي أحدهما أن يشتري باصاً لنقل الأهالي داخل البلدة. أما هو فلم يتأثر اقتصادياً بما أنه موظف. لكن حركة تنقلاته خفّت كثيراً خارج البلدة. «عوض أن أخرج من البلدة مرتين أسبوعياً، صرت أخرج كل أسبوعين مرة». ومنذ 2 آب، بدأ يشعر بالخوف الذي لم يعرفه يوماً، فبادر إلى وضع حديد لشبابيك منزله. قبل ذلك «كلّ شيء كان طبيعياً، وشخصياً لم أرَ مسلّحاً في البلدة إلا مرة واحدة».
لدى طارق الحجيري إجابات عن كلّ الأسئلة. المسلّحون الذين لم يرهم يوماً في القرية، يخطفون ويقتلون من يشاؤون من أبناء البلدة. لكن «يحصل ذلك في فترة زمنية قصيرة لا تتيح لنا التحرّك. وهم خطفوا أشخاصاً مذنبين برأيهم». وعندما سرقوا معدّات البعض في الجرود «لأن أصحاب هذه المعدّات ليسوا معهم في السياسة، وهناك من برّر بأنهم سيعيدونها بعد أن ينتهوا من بعض الأعمال».
حتى بالنسبة إلى المعركة الأخيرة، ينقل الحجيري عن التلّة قوله «نحن استُدرجنا. قيل لنا إن الجيش اللبناني أحرق المخيمات ويعتدي على النساء، وفعلياً كان هناك مخيم احترق بعد التعرّض للقصف».
هذا النوع من التبريرات ينجح في خلق حالة من التعاطف كما اعترفت لنا فتاة في الثامنة عشرة من عمرها «أحياناً عندما أستمع إلى تسجيلات أبو مالك التلة أتأثر به وأكاد أصدّقه، فكيف بالشباب المتحمّس والعاطل من العمل؟». كثيرون يتحمّسون، من دون أن يطرحوا أسئلة بديهية: من هم هؤلاء المسلّحون الذين يعرفون تفاصيل عن أبناء البلدة وميول أصحابها السياسية؟ ولماذا يجب أن يُسرق، ويُطرد، من يحمل رأياً سياسياً مخالفاً، أو يتهم بالعمالة من يعطي معلومات إلى جيش بلاده؟ كيف أُعدّت لوائح الإعدام، ومن وضعها؟
يحكي أبناء عرسال عن انضمام أكثر من 300 شاب من أبناء البلدة إلى المسلحين. عائلات هؤلاء لا شك ستكون متعاطفة مع المسلّحين. لذا يصعب الرهان على حراك من قبل الأهالي. يقسّم أحد أبناء البلدة، العرساليين إلى ثلاثة: «هناك في عرسال من هو مع المسلّحين وهي فئة منظّمة ومسلّحة. وهناك من هو ضدّهم لكنهم غير مسلّحين. والبقية اتخذت موقفها بناءً على كرهها لحزب الله». أحد أبناء البلدة لا يخفي تشاؤمه الذي دفعه منذ ثلاثة اشهر إلى استئجار بيت، مع ثلاثة أصدقاء له، في بلدة سعدنايل، على سبيل الحيطة. هو من الاشخاص الذين يتردد أن أسماءهم وردت في اللائحة. لا يعرف هذا الرجل الناشط اجتماعياً ما الذي يفعله. لا ينام. يخرج من بيته ليلاً ويمشي وحده. يدخن عدداً مضاعفاً من السجائر التي اعتاد تدخينها. لم يعد يتفقد أرضه ومزروعاته العضوية الحائزة شهادة إيطالية. يتصل بأبناء بلدته ويدعوهم إلى اجتماعات لمناقشة ما يمكنهم القيام به كأبناء بلدة، وهو حتى الآن لا يعرف ما الذي يمكن القيام به. برأيه «الحل يجب أن يأتي من أهل عرسال. إذا لم يدركوا حجم الخطر الذي وصلنا إليه فنحن مقبلون على الأسوأ».
من هذه الخلفية انطلقت ريما كرنبي في العمل من خلال «تكتل منظمات المجتمع المدني» الذي يضمّ 12 جمعية في البلدة. «كنا نبحث عن صوت ثان غير محسوب على أحد، وكانت الخطوة الأولى التي قمنا بها تنظيم المخيمات. كنا نعرف منذ البداية أن هناك سلاحاً في حوزتهم، لكنهم كانوا يقولون لنا إن الرجال الذين يشاركون في الثورة لن ينزعوا سلاحهم خلال زياراتهم لأهاليهم». حتى بالنسبة إلى العمالة السورية، حاول التجمع الحدّ منها من خلال الطلب إلى البلدية القيام بسلسلة من الإجراءات «لكن السوريين صاروا يفتحون المحال ويقولون إنها بالشراكة مع اللبنانيين». لم ينجح التكتّل كثيراً في المهمات التي تصدّى لها، لكنه لا يزال يحاول. نظّم عملية تنظيف وتأهيل مبنى المهنية، وأعدّ وقفة تضامنية صامتة تضامناً مع الجيش، وتواصل مع قيادتها في المنطقة لنقل بعض الشكاوى.
في ظلّ التسليم بعدم قدرة أهالي عرسال على التحرّك، يبقى الرهان على الجيش «الذي صار أمامنا بعدما كان خلفنا» يقول طارق الحجيري، ويبدي ارتياحه للإجراءات التي يقوم بها، متمنياً أن يكون المدنيون في البلدة في منأى عن أي عمل عسكري قد يقع مستقبلاً.