عقود طويلة مضت على عرسال، البلدة التي صنعت اقتصادها مما وهبتها إياه الطبيعة، فاعتمدت على سواعد أبنائها في اقتلاع الحجر وصقله، بمقالع ومناشر ومخارط صخر، لصنع حجر لا يمكن لأحد أن ينكر جماله وصلابته وقساوته. ازدانت به بيوت لبنانية، في كل المناطق اللبنانية، من دون أن تتزين به منازل عرسال التي بقيت على شكل «خفان» جدرانها.


يرتكز اقتصاد عرسال على ثلاثة مصادر أساسية، تشكل الدعامات الأساسية لمعيشة العراسلة. فمن قطاع حجر الزينة، الذي يحتل المرتبة الأولى، إلى قطاع الأشجار المثمرة، إلى التهريب من وإلى الأراضي السورية. إلا أن تلك القطاعات على اختلافها، أصيبت بانتكاسات وشلل انعكس حالة بطالة في البلدة. محمد، أحد أبناء عرسال اعتبر أن قطاع حجر الزينة يحتل الريادة في اقتصاد عرسال، لما يشكل من «دورة اقتصادية متكاملة»، بالنظر إلى «حاجات ذلك القطاع لليد عاملة بشرية»، بدءاً من العمال في المقالع والمناشر، وصولاً إلى النحّاتين والسائقين ومحطات المحروقات.
يؤكد محمد، وهو صاحب أحد مقالع الصخر، أن قطاع الحجر في عرسال يعتبر مصدر رزق ومعيشة ما يفوق 85% من أبناء البلدة، موضحاً أن جرود عرسال تضم ما يقارب 250 مقلعاً صخرياً، ويعمل فيها ما يقارب الألف عامل «ويتقاضى كل عامل يومية تتراوح بين 20 و30 دولاراً أميركياً». أما مناشر الصخر فهي «تناهز 350 منشرة متفاوتة الأحجام، ويعمل بها أكثر من أربعة آلاف عامل، إضافة إلى ما يقارب 50 مخرطة لتصنيع البرانق (أشكال صخرية محفورة تستعمل لتزيين الشرفات وسور الحدائق والمنازل)».
قطاع حجر الزينة العرسالي، بمختلف فروعه، يدرّ على البلدة ما يتراوح بين 350 ألف دولار، والمليون دولار، بحسب محمد. وبعملية حسابية يكشف صاحب المقلع أن عدد العائلات التي يعتبر قطاع حجر الزينة مصدر رزقها، يمكن تبيانه من أن كل منشرة أو مقلع يعمل فيها ما يتراوح بين 10 إلى17 عاملاً، وكمعدل وسطي فإن عدد مناشر الصخر 350 منشرة، ويعمل فيها عشرة عمال، «ما يعني أن 3500 عائلة تعتاش منها، ويمكنك قياس ذلك على بقية المصالح التي ترتبط بقطاع الحجر الصخري، من معلمي تلبيس الحجر والنحاتين، والتجار، وسائقي الشاحنات وسيارات البيك ـ آب، الكبيرة منها والمتوسطة والصغيرة، وأصحاب محطات المحروقات».
انخراط عرسال في أتون الأزمة السورية، ودعم «الثورة والثوار» شكّل منعطفاً قاسياً في حياة عرسال الاقتصادية والاجتماعية. «فما قبل غزوة عرسال ليس كما بعدها»، كما يقول صاحب مقلع ومنشرة للصخر في عرسال من آل الحجيري. يؤكد الرجل الذي رفض ذكر اسمه كاملاً، أن الأمور «ساءت إلى درجة أنه انقطع رزقنا بالكامل، بعد غزوة «داعش» وأخواته للبلدة بداية شهر آب المنصرم»، ويوضح أن «سائر مقالع الصخر تقع في جرود عرسال، وخارج الطوق الأمني الذي فرضه الجيش اللبناني، في وقت يحتل مسلحو داعش والنصرة تلك الجرود، وهم لا يوفّرون أحداً، من خطف وإعدامات وسلب كل ما تقع أعينهم عليه، من مازوت وجرافات ومعدات ومولدات كهربائية كبيرة». كل ذلك دفع غالبية أصحاب المقالع ومناشر الصخر إلى نقل جميع معداتهم إلى داخل بلدة عرسال، والاكتفاء بالعمل بما تيسر للبعض منهم من «الستوك» بحسب الحجيري، الذي أكد أنه لن يغامر بحياته «ولن أسمح لأحد أن يذلني، كرمال اشتغل بمقلعي، وهيدا مش رأيي لحالي، وإنما رأي غالبية زملائي بالكار». يجزم الرجل أنه لم يتوجه إلى مقلعه منذ اسابيع، وهو حالياً من دون عمل، عازياً ذلك إلى أن «الأمور ما بتطمن، فمن جهة الجيش ما بيسمحلك تنقل مازوت ونيترات وفتيل تفجير للمقالع، ومن جهة ثانية المسلحون يتربصون بنا وبمعداتنا ومحروقاتنا، والأنكى إنه إذا فجّرت بمقلعك فوق، ما بتعود تعرف من وين عم تنزل عليك القذائف سواء من الجيش أو المسلحين».

مخاوف من أن
تودي البطالة بالشباب إلى ارتكاب الخطأ



إذا هي البطالة حالياً لمئات الشبان العراسلة، بعد تدني العمل بقطاع الحجر الصخري ليصل العمل اليوم فيه إلى 25% مما كان عليه في السنوات الماضية. وتقاطعت آراء أكثر من صاحب مقلع ومنشرة صخر عند هذه النسبة، ليكشفوا أن القطاع الصخري كان يعود على البلدة بما يتراوح بين 350 ألف دولار، والمليون دولار يومياً، ويقتصر العمل حالياً على 25% ممن يعملون «بالستوك»، على أن هذه النسبة «ستتدنى وتتقلص في الأيام القليلة المقبلة، نتيجة عدم توفر عمليات استخراج جديدة للصخر من المقالع».
في جرود عرسال التي تبدأ من الجرد الأدنى فالأوسط، ومن ثم الجرد الأعلى، أكثر من ثلاثة ملايين شجرة كرز ومشمش، تعتبر مصدر رزق لعائلات عرسالية، فتوفر من خلال رزق بساتينها مؤونة وحطب شتائها. إلا أنه ومع انتشار المسلحين في الجرود والبساتين واعتمادها ملاذاً للاختباء والاعتماد على ثمارها، خسرت تلك العائلات مصدر الرزق ذاك، خصوصاً بعدما «تعرض عدد كبير منهم للإهانة تارة، وسلب رزقه بعد قطافه تارة أخرى، أو مشاهدة بعضهم لعمليات إعدام وتعذيب» كما يقول أحمد الفليطي.
في عرسال أيضاً مصدر ثالث للرزق، لن يكون أفضل حالاً من قطاعي الحجر والزراعة، إنه قطاع التهريب من وإلى سوريا. فقد انتهى هذا القطاع بحسب أحد المهربين «منذ نهاية معركة القلمون وإقفال الجيش لغالبية الممرات والمعابر التي كنا نعتمد عليها، وبعد عمليات السطو من المسلحين وخطف أفراد منا».
إزاء كل ذلك، ترى فاعليات عرسالية أن «البطالة في عرسال تفشّت بشكل خطير، وعلى الدولة أن تتحرك وتتدارك الوضع الخطير وغير السليم، ذلك أن الشباب من أبناء البلدة، وبعدما كانوا يحصلون على قوتهم اليومي من تعبهم وعملهم لن يبقوا فترة طويلة في أحضان البطالة، وقد يغرر بهم البعض ويتجهون إلى أماكن غير صحيحة»، يقول أحد فاعليات عرسال.