سيمون العازار

تقول الرواية إن أهل السياسة والمجتمع والفن كانوا يقصدون البترون من أنحاء لبنان، ومن الخارج أحياناً، لا لشيء إلا لشرب الليموناضة! قد يبدو في الأمر مبالغة، لكن الأمر موثَّق. فإضافةً إلى الإجماع بخصوص أسماء هؤلاء المشاهير، يحتفظ رائد عبد الرحيم، صاحب محل الليموناضة الشهير في البترون، «شي حلمي»، بصورة تجمع والده بالعاهل السعودي عبدالله، يوم كان لا يزال أميراً بعد، جالساً في المحل بعدما تذوَّق الليموناضة البترونية وأثنى على طعمها المميز. كان الملك يومها في طريقة إلى إهدن للقاء الرئيس الراحل سليمان فرنجية.

ومن «المشاهير» أيضاً، الرئيس الأسبق كميل شمعون، الذي يُروى عنه أنه كان يصرُّ على التوقُّف خصيصاً في المدينة لشرب كوب من الليموناضة الفاخرة في طريقه إلى طرابلس، حيث كان «يتحلى» هناك بطبق من «حلاوة الجبن».
لطالما عُرفت البترون، التي يطيب لأهلها تسميتها بالمدينة، وقبل زمن الليموناضة، بالنبيذ والعرق والخلّ، بفضل انتشار الكرمة فيها وفي القرى القريبة منها، وقد اشتهرت بهذه المنتجات على مرِّ مئات السنين. واسم البترون مشتقٌّ من «بوتريس» أو «العنقود» باليونانية. لكنَّ جرَّ مياه نهر الجوز، الذي ينبع من تنورين، لكي يروي وسط القضاء وساحله، في الربع الأول من القرن العشرين، أدَّى إلى انتشار بساتين الليمون الحامض والبرتقال والأفندي حول البترون والقرى الساحلية المجاورة. وإضافة إلى تصريف الإنتاج من خلال بيع الثمار إلى المناطق القريبة والبعيدة، راح الناس يأكلون البرتقال أو يعصرونه. أما الليمون الحامض، فأضافوا إليه الماء والسكَّر، وكانت الليموناضة.
هذا الشرح تبسيطي طبعاً، إذ من المرجَّح أن يكون منشأ هذا الشراب الصين والهند، في حدود القرن الثامن قبل الميلاد، وأن يكون قد دخل في ما بعد إلى بلاد فارس والبلدان العربية. لكن أهل البترون اعتمدوا التفسير الأول، الذي يمنحهم فضل ابتكار الليموناضة وشهرتهم الواسعة بها على صعيد لبنان وحتى بعض سوريا. ويسرّ أحدهم، وهو يعدّ مرجعاً ثقافياً ــ اجتماعياً في أخبار بلاد البترون، برواية أخرى. يقول إنه في الأزمنة الغابرة، كانت السفن اليونانية ترسو في ميناء البترون، وينزل البحارة إلى اليابسة، فتأتي لهم بعض الجميلات بشراب الليمون المعصور مع قشرته. رواية شاعرية، لكنها لا تحظى بأي إجماع.

سرّ المهنة

أما طريقة تصنيع هذا الشراب، فهي غير الطريقة المعروفة، من عصر للَّيمون الحامض وإضافة الماء والسكَّر إليه. فمن الشائع أن الليموناضة البترونية تُصنع من عصير الثمرة مع قشرتها، لكن السرَّ لم يُكشَف كاملاً بعد.
رائد عبد الرحيم، صاحب «شي حلمي» للحلويات، والذي لا يزال برَّاد الليموناضة الشهير صامداً أمام محلِّه الكائن على الشارع الرئيسي، يقول إن جدَّه محمد عبد الرحيم كان أول من باع الليموناضة في السوق الأثرية القديمة، بعدما كانت شراباً منزلياً انتشر في المدينة مع اجتياح أشجار الليمون لها. يستمع عبد الرحيم إلى الوصفة التي نعرضها عليه، وهي «عصر ثمار الحامض باليدين، بعد غسلها، ومن دون إزالة القشرة، ثم نقعها بالماء والسكر لفترة قصيرة وتصفيتها بعد ذلك». يبتسم: «في شي غلط، الأهم ناقص»، طبعاً لا يبوح، سرّ المهنة، أو هو يريد الإيحاء بذلك.
بحسب عبد الرحيم، لم يتعدَّ عدد محال بيع الليموناضة يوماً عدد أصابع اليد الواحدة، من أشهرها، إضافة إلى محل جدّه ثم أبيه حلمي من بعده، محل جميل درويش و«ليموناضة شاهين» و«حلويات الريم» فيما بعد. مع العلم أن الأوَّلَين أقفلا أبوابهما تباعاً مع إنشاء الأوتوستراد وعدم اضطرار العابرين من جبل لبنان إلى الشمال إلى المرور في البترون، وبسبب الحرب اللبنانية 1975، في حين عاد شاهين وفتح محلاً صغيراً في بناية سكنية – تجارية عند مدخل المدينة. ولم يعد يبيع الليموناضة في البترون اليوم سوى هؤلاء، إضافة إلى محل «جسّي جوس» للكوكتيل وسط الشارع العام.
سعودياً، لم يكن الملك عبدالله الوحيد الذي تمتَّع بطعم ليموناضة البترون، السيد إيلي الريم، صاحب محل «حلويات الريم»، والذي ورثه عن والده، يقول مفاخراً إنه لا يزال يرسل الليموناضة إلى «قصور سعودية» حتى اليوم، أو حتى الأمس القريب «هيداك اليوم بعتت 13 قنينة عا السعودية». والريم لم يبخل علينا بالوصفة السحرية، حتى إنه قام بعصر ليمونة أمامنا. لكنه اكتفى بذلك، بعدما ارتدى قفَّازاً خاصاً. يؤكد الريم أن الليمون الحامض يُعصر ويُصفَّى ويضاف إليه السكر والماء. لكنَّ القصة، كل القصة، في اختيار البضاعة. فالثمرة الصفراء هي المطلوبة، لأن الخضراء لا تعصر كثيراً، وهي مُرّة أكثر من المطلوب. لكن «كل ذلك تفاصيل، فالأهم هو النفَس، كما بالنسبة إلى تحضير أي شراب أو طعام آخر». ويصرُّ إيلي على أن يُرينا شهادتين حصل عليهما محلُّه عامَي 1970 و1973: «إشعار بعدم وجود الغش». في الزمن الجميل نسبياً، عندما كان المراقب يراقب.

«الأركيلة» تربح

على الصعيد التجاري أيضاً، تختلف الروايتان، فبحسب عبد الرحيم، لم تعد الليموناضة مصدر ربح، والاعتماد اليوم بات على الحلويات والبوظة. في المقابل، يؤكد الريم أن البيع لا يتوقَّف، والليموناضة تجارتها مزدهرة. إيغال في التفاؤل؟ عناد بتروني لبناني عاطفي؟
أما عن مصدر الليمون الحامض اليوم، فيتَّفق الرجلان، هو سوق الخضار. طرابلس أو نهر إبراهيم. إذ لم يبقَ في البترون بساتين ولا من يزرعون، إلا ما ندر. فأينما نظرت بنايات جديدة أو في طور الظهور، إلا بعض الحدائق الصغيرة التي يستثمرها البعض، من خارج المدينة عموماً، وحيث يسيطر الأفندي على ما عداه.
أما سعر كوب الليموناضة، فهو طبعاً بحسب الحجم، ويتراوح بين 2000 و5000 آلاف ليرة.
بالنسبة إلى الجمهور البتروني، زبون الليموناضة الأول المفترَض، الأمر محسوم، أقلّه بالنسبة إلى الأشخاص الذين سألناهم: ليموناضة؟! ههههه! مين بعد بيشرب ليموناضة؟!
تضحك جنى، وتنادي ابنها البالغ من العمر 12 سنة: «بتشرب ليموناضة ماما؟» وكأنه لم يسمع بها قبلاً. «روح العاب حبيبي روح». يقحم رأسه في الـ«آي باد» ويبتعد. «هيدا جيل البيبسي». السيدة على حق، آي باد وليموناضة؟ بالكاد «يغوغلها».
أما الزبائن الآخرون، زوَّار البترون الليليون، روَّاد المقهى و«النايت كلوب» البتروني، فكانوا في البداية، أول عهد البترون بحياة الليل الراقصة، منذ ما يقارب العقدين، يشربون الليموناضة «وجّ الصبح قبل ما يسرّبوا» كما يقول أنوَر، سائق التاكسي المطَّلع على عادات هواة السياحة الليلية. أما اليوم، وبعدما قالت «الأركيلة» الكلمة الفصل في النزال بين المقهى والملهى، بات السيّاح يكتفون بما يأكلون ويشربون في الـ«كافيه» وهم يتسامرون عبر هواتفهم الذكية، ويمرُّون بعد ذلك قرب برّاد الليموناضة، إذا مرُّوا، مرور الكرام.