عادت زراعة الكرمة في البقاع إلى سابق عهدها، بعدما كانت قد شهدت ضموراً لفترة امتدت نحو 15 عاماً، أحجم خلالها مزارعو البقاع عن غرس بساتينهم بمختلف أنواعها. الأسباب عديدة خلف هذا التراجع أبرزها كساد المحاصيل وتدني أسعار بيعها إلى أقلّ من كلفة الإنتاج وعدم إيجاد أسواق خارجية لتصريف الكميات الفائضة في السوق المحليّة، فضلاً عن الخسائر التي تكبدها أصحاب الكروم جراء حرب تموز عام 2006 وما تبعها من خضّات أمنيّة، وما كانت قد خلّفته العاصفة الثلجيّة التي ضربت لبنان عام 2010 من أضرار لحقت بآلاف الدوالي (حوالى 12 ألف دونم) التي تهاوت تحت ثقل تراكم كميات كبيرة من الثلوج على أغصانها. هذه الكارثة الطبيعية دفعت بكثيرين الى اقتلاع النصوب واستبدالها بزراعات بديلة.


اليوم، عاد المزارعون إلى كرومهم، وهم في عزّ موسم قطاف العنب بأصنافه المتنوعة، الذي يمتدّ من أوائل شهر آب حتى أواخر تشرين ثاني، باستثناء البعض منه، لا سيما عنب البيتموني الأبيض، الذي يمتد جني محاصيله الى منتصف كانون الأول. ويعمل المزارعون على تغطية العناقيد بأكياس النايلون تجنباً لتعرضها للأمطار وتشقق حبّاتها.
عن أسباب تحسّن الأسعار هذا العام، يوضح المزارع إلياس حنا أن مردّ ذلك يعود إلى موجة الصقيع التي أصابت مختلف الأشجار المثمرة أواخر شهر آذار من هذا العام، ما أسهم بزيادة الطلب على شراء العنب، وبالتالي شجّع البعض على إعادة الاهتمام بهذه الزراعة، وخصوصاً في الأراضي المرويّة. ويلفت إلى أن زراعة الكرمة، وبالرغم من ارتفاع تكلفة إنتاجها، تبقى مدخولاً أساسياً لنسبة كبيرة من المزارعين في البقاع. ويشير حنا الى أن الأسعار هذا العام تعدّ جيدة نسبياً، بالمقارنة مع السنوات السابقة، وهي تراوح في أسواق الجملة (الحسبة)، بين 800 و3000 ليرة لبنانية للكيلوغرام الواحد، وذلك بحسب النوعيّة وجودة الإنتاج، وبالأخص الأصناف الأجنبيّة الجديدة التي اكتسب أصحاب البساتين خبرة الاعتناء بها بمساعدة مهندسين زراعيين محليين وأجانب يقومون بزيارات ميدانية دورية على الحقول، يزوّدون خلالها المزارعين بالتوجيهات والإرشادات اللازمة بغرض تحسين نوعيّة العنب وجودة إنتاجه. ويترافق ذلك مع تنظيم دورات وورش عمل يشرف عليها هؤلاء الخبراء بالتعاون مع وزارة الزراعة، وغرف التجارة والصناعة والزراعة في المناطق.
دخلت زراعة الكرمة الى لبنان منذ مئات السنين، ولا تزال بعض الأنواع القديمة موضع اهتمام المزارعين، مثل عنب العبيدي (البلدي الأبيض)، البيتموني الأبيض (أبيض مستطيل الشكل)، التفيفيحي الأحمر، المغدوشي، الأسود (ذي اللون الداكن). إلى ذلك، ازدهرت زراعة الأصناف الأجنبية من بينها ريد غلوب، بلاك بيرل، شوغر بلو، غريبسون التريبيا، سوبرير (المعروف بعنب أبو حطب) وغيرها من الأصناف المهجّنة التي تدخل تباعاً كل عام الى زراعة الكرمة اللبنانيّة، ولا يزال بعضها قيد التجارب وصولاً إلى معرفة مدى نجاح تأقلمها مع التربة والمناخ في لبنان. مع الإشارة هنا الى أنه يمكن صناعة مشروب العرق واستخراج مادة الميلاس من جميع هذه الأصناف، علماً أن مشروب العرق المثلث، المستخرج من عنب العبيدي، يتميز عن سواه من ناحية نسبة درجة الحلاوة المرتفعة في مكوناته والجودة والطعم.
على صعيد المطالب، يشير حنا إلى أن النهوض بقطاع الكرمة بحاجة الى وضع خطة شاملة بالتعاون بين الدولة والمزارعين من جميع النواحي، غايتها ديمومة هذه الزراعة وحمايتها من خطر الزوال على المدى البعيد، مستدركاً بالقول: «لا يمكن النظر الى أهميّة هذه الزراعة من الناحيّة الاقتصاديّة فقط، المطلوب الحفاظ على الطابع التراثي لها، وبالأخص في البقاع الذي أطلق على عاصمته زحله تسمية مدينة الكرمة، فضلاً عن احتضان أراضيه الزراعيّة، طولاً وعرضاً، لمساحات كبيرة من الكروم بمختلف أنواعها».

أسعار هذا العام
جيدة بالمقارنة مع السنوات السابقة

ويلفت إلى أن الوصول إلى الغاية المنشودة في هذا الإطار، يتطلب من المزارع تحسين جودة الإنتاج، من ثم يقع على عاتق الدولة مهمة إيجاد أسواق خارجيّة، وخصوصاً في الدول العربية والخليجيّة التي تشهد أسواقها الاستهلاكيّة تنافساً شديداً بين العنب اللبناني، والكميات المستوردة من الدول العربية المجاورة وبعض البلدان الأوروبيّة.
إلى جانب عنب المائدة، يتميز لبنان عموماً، والبقاع على وجه الخصوص، بإنتاج أجود أنواع العنب المخصص لصناعة النبيذ، الذي شهد لبنان في السنوات الأخيرة تطوراً نوعياً في إنتاج أفخر أنواعه بشهادة عدد من الخبراء الأجانب. وقد أثبتت المعامل المخصصة لهذه الغاية، والمنتشرة في غير منطقة لبنانيّة، قدرتها على منافسة أجود ماركات النبيذ العالميّة.
أهمية هذه السلعة من الناحيتين الاقتصاديّة والتراثية، دفعت ببعض المعنيين في الدولة، الى بذل الجهود لإدراج زراعة الكرمة وصناعة النبيذ اللبناني ضمن لائحة الأصناف المعترف بها لدى المنظمة الدوليّة للكرمة والنبيذ، وقد تمثل ذلك بتنظيم ندوات ومؤتمرات لهذه الغاية، آخرها أقيم في زحلة نهاية الأسبوع المنصرم، تحت عنوان «مؤتمر النبيذ اللبناني الثاني» برعاية وزيري الخارجية والزراعة في لبنان، وبحضور عدد من المعنيين وخبراء محليين وأجانب يتقنون فنّ صناعة النبيذ. ومن بين توصيات المؤتمر التي تلتها رئيسة مصلحة الأبحاث في وزارة الزراعة الدكتورة مريم عيد: العمل على تنمية القطاع، تعزيز البحث العلمي لتحسين البيئة والجودة، استخدام التقنيات الحديثة في الترويج للنبيذ اللبناني، جمع التشريعات التي تنعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على قطاع النبيذ للاطلاع عليها ونشرها.