تعتقد باسمة أن الصليب الصغير المعقود في معصم يدها كافٍ لصرف أنظار العابرين. وحيلة السوار والإكسسوار من أصول «الجماعة» والجماعات في لبنان، ما يعني أنها قد تبدد حشرية الراغبين بمعرفة هويّتها الأصليّة. والجماعات، هنا، التي لا وقت لديها للتمييز بين السوار والمعصم، لا وقت لديها، كذلك الأمر، للتمييز بين اليهوديّة والصهيونيّة.وباسمة يهوديّة، في بيئة تضع اليهود في خانة «الصهاينة» تلقائياً. وهذا، كما تقول باسمة، بسبب تبعات الحروب، التي خاضها لبنان مع العدو. غير أن هذا... «تصنيف خاطئ».


و«اليهودي» كلمة لها ثقلها حتى على «أبناء الطائفة». خلال اللقاء، تجنبت باسمة تكرار الكلمة، فاستعاضت عنها، أحياناً، بـ«نحن» لتروي قصة الصليب؛ العنصر الأساسي في «التمثيلية» التي اخترعتها. عقب التحرير مباشرةً، دعتها إحدى جاراتها للالتحاق بقافلة العملاء الهاربين إلى إسرائيل لأنها يهودية تتقن لغة العدو (سيقول متفذلك هنا: مقومات العمالة موجودة).قاطعها كل من في الحي تقريباً، حتى روزا صاحبة محل الحلويات التي باتت ممازحةً، تهددها بالـ«حزب» بين الحين والآخر. عندئذ فقط، فكرت بالانتقال من الحيّ بلا عودة، ومن ثمّ اعتنقت المسيحية «شكلياً» لإبعاد الشبهات عنها، مشيرةً إلى أن «توالي الأحداث والحروب في لبنان، بدءاً بنشأة ما يعرف بدولة إسرائيل وصولاً إلى الاجتياح الإسرائيلي، أدت إلى ظهور سلوكيات غير متسامحة وحقداً متنامياً تجاه اليهود». وهذا الحقد، برأيها، «لن يختفي ببساطة، خصوصاً إذا استمر توارث الأفكار النمطية الخاطئة بين الأجيال المتعاقبة». في أية حال، لا تبدو حيلة باسمة عبثية، واسألوا البيروتيين. التعصب تجاه اليهود متوارث وله أسبابه. حتى أنه أحياناً يمارس، في المقام الأول، للاقتصاص من العدو عن طريق التعرض لمعتنقي الديانة هنا، على قاعدة «الأقربون أولى»، حالما تسنى ذلك. سألنا أحد الشبان في منطقة قريبة من وسط المدينة، عمن تبقى من يهود وادي أبو جميل (المعروف بحي اليهود سابقاً)، تطرق فادي إلى حكايا عملاء جيش لحد، الذين هاجروا نحو الأراضي المحتلة عقب الاجتياح الإسرائيلي. برأيه، يهود المنطقة، الذين «هربوا إلى إسرائيل» هم «كلاب جاؤوا من أصقاع الأرض وانتشروا في أنحاء العاصمة لإقصاء الديانات السماوية الأخرى»، معتبراً أن رحيلهم ضرورة لحماية الأمن. أما سمار، ابنة المصيطبة، فترى أن «المتهودين كلاب تسببوا في إحداث مجزرة صبرا وشاتيلا». اتفقت وفادي على زج الكلاب في قضية اليهود وعلى «أدبيات» مشتركة.

هوية اليهود الدينية
قد تمّت مصادرتها من قبل إسرائيل في الأصل
إلا أنها، وفي معرض شتمها للقوات اللبنانية، وصّفت مناصري إيلي حبيقة، الذين طاوعوا الاحتلال وساهموا في إحداث المجزرة الشهيرة عام 1982 بـ«اليهود». أي أن الكلمة تستخدم كشتيمة أيضاً، وهذا صار نازياً على نحوٍ تام. في حسابات سمار، اليهودية ترادف العمالة اصطلاحاً، وهذا ما يؤكد أنها تعرضت، وجيل الحروب، لاستلاب ثقافي أدى إلى إلغاء الحدود الفاصلة بين «اليهودية» و«الصهيونية»، وتالياً «نشوء تعصب تجاه تلك الفئات التي تتشارك والعدو لغة واحدة»، بحسب أستاذة علم النفس الاجتماعي عزة شرارة بيضون، التي رأت أن التعصّب الديني والمذهبي ليس غريباً عن «شيم» اللبنانيين. توضح بيضون أن الفرق بين التعصّب الطائفي وبين التعصّب ضد اليهود، هو «أن الأخير يتعزز بكره مجتمعنا لإسرائيل التي تطلق على نفسها اسم «الدولة اليهودية»، كما أن الحركة الصهيونية هي إيديولوجيا الدولة التي اعتدت على لبنان وارتكبت المجازر بحق شعبه». هوية اليهود الدينية قد تمّت مصادرتها من قبل إسرائيل، في الأصل، وباتت الصهيونية متماثلة مع الديانة اليهودية في تصوّرات غالبية الناس هنا. تضيف بيضون أن «هذا التماثل بين الديانة اليهودية من جهة، والصهيونية والمواطَنة الإسرائيلية من جهة ثانية، يجيز للّبنانيين ـ ربّما ـ تسويغ عدائيتهم المطلقة لليهود».