بروكسيل | منذ عام 2009 دأبت أدلين روزنشتاين، خريجة المعهد الألماني للمسرح في برلين (HFS Ernst Busch – bat Regieinstitut)، على عمل مسرحي مع طاقم مختلط من عرب وأوروبيين يهود، فأنجزوا أربعَ عروض لاقت نجاحاً مبهراً، حاصدين جوائز عديدة. «Décris-Ravage» أو «وصف – خراب» بالعربية، ليس عملاً مسرحياً تقليدياً. إنه أقرب إلى المحاضرة التاريخية، أي الوثائقي، منه إلى اللعب المسرحي. على امتداد أربعِ حلقاتٍ، عُرض أوّلها عام 2010، أعاد العمل رسم الخريطة التاريخية الدقيقة التي أدت إلى تفوُّقِ تيار معيَّن بين التيارات الصهيونية العديدة، وقيام «الدولة العبرية» على حساب الشعب الفلسطيني.


لم ترضَ المخرجة الألمانية أن تقارب موضوعاً بهذا الحجم من دون بحث تاريخي واجتماعي معمَّق للـ«diaspora» (الشتات) اليهودي، وللحالتين الاستعمارية والعربية كذلك. في الحقيقة، لا يمكن، بحسب روزنشتاين، «التغاضي عن أحداث تاريخية مفصلية» بدأت منذ نهاية القرن الثامن العشر، أودت بقسم من اليهود إلى هذه «الورطة» التي اسمها «إسرائيل». ليس في هذا تبرير لقيام «الدولة العبرية» على الإطلاق، ولا حجَّة لوعد بلفور «الملتبس» في ترجمته إلى العربية كما تقول، إنما مجرد مبادرة، من قبل فرد أوروبي، للتصالحِ مع تاريخ القارة العجوز الاستعماري، الذي نضحَ على امتداد قرون بالقومية والاضطهادات ومعاداة السامية. في هذا الصدد، لا يمكن بتاتاً، انتزاع حق انسانٍ ينتمي إلى ديانة معيَّنة، ميزتها الأولى أنها غير تبشيرية «non prosélyte» - ما يقرِّب شعور الانتماء الديني من شعور الانتماء إلى الجماعة أو الوطن - من أن يعيد البحث في ماضيه، أو أن يذكر الآخرين بماضيهم. في محاضرتها الرابعة، تروي روزنشتاين مع طاقمها العربي والفرنسي معطياتِ نهاية القرن الثامن عشر مستندة إلى مراجع متنوعة، وتشرح للجمهور بتهكم، كيف تحجج نابوليون بـ«حضرنة» المصريين، فآثر مهاجمة مصر على بريطانيا، بهدف السيطرة على قناة السويس. ثم تروي كيف نهبت جيوشه غزة، وجزَّرت في يافا التي قاومت ثلاثة أيام. كان فنانو نابوليون يرافقونه في حملاته العسكرية. كلّ هذا الحفر في الذاكرة موجه، بالدرجة الأولى، إلى الفرد الأوروبي «الجديد»، الذي نسي كلّ هذه المواضيع. كلُّ هذا يقودنا إلى نهاية القرن التاسع عشر، حيث شهدت الخريطة الجيوسياسية ولادة كثير من الحركات القومية والوطنية المتطرفة، ومن ضمنها الحركات الصهيونية العديدة. اليهود في ذاك الوقت كانوا منقسمين إلى ثلاث فئات أساسية: الفئة الأولى، رفعت راية قومية وأرادت وطناً كان لم يحدَّد بعد. الثانية، أرادت الاندماج في المجتمعات التي أخذت التحولات تطرأ عليها. أما الفئة الثالثة، وهي الفئة الدينية الأرثوذكسية، كانت ترفض رفضاً قاطعاً كلّ جديد. السرد الوثائقي، يرافقه مرور دائم ومتركرر على «النظرية العرقية»، و«النظرية المعادية للسامية»، وهما مصطلحان، أبيضان حصراً – Made in Europe – ألغاهما قيام «الجمهورية» في فرنسا، إلاّ أنهما عادا ليجدا سبيليْهما إلى قلب المجتمعات الأوروبية بطرق أخرى.
بقيت حلقتان أخيرتان سوف تعرضا في عامي 2015 و 2016. على طاولة التوثيق، هناك نصوص عدة لباحثين ومؤرخين أمثال هنري لورنس وإيلان بابيه، لكن روزنشتاين اعتمدت أيضاً على نصوص عربية أخرى – ما يعدُّ أمراً جديداً بالنسبة إلى المشاهد الأوروبي – لإدوارد سعيد، الياس صنبر، سعد الله ونوس، محمود درويش، والكاتب المصري الفريد فرج وآخرين. هنا، بعيداً من تحليل الشهادات أدناه، لا بدَّ من القول إن ثمّة الكثير من يهود الشتات يرون اليوم في «إسرائيل»، «القلعة الآمنة الأخيرة لليهودية» بحسب الفكر الصهيوني، أسوأ مكان يمكن أن يلجأوا إليه، ناهيك عن أولئك الذين ولدوا داخل «إسرائيل»، والذين يرفضون سياستها.