صنعاء | لم يبق منهم إلا ستون. البقية تشظت برصاصة واحدة في قلب ماشا. حدث ذلك عام 2008 في مدينة عمران اليمنية (شمال صنعاء)، عندما صوّب «يمني متطرف» حقده نحو قلب ماشا النهاري، وأرداه قتيلاً. يومها، بدأ الانهيار. يذكر اليمنيون جيداً هذه الواقعة التي تحولت إلى قضية رأي عام ـ كونها الاعتداء الذي انتهى بقتل مواطن يمني يهودي ـ والتي دفعت السلطات إلى الإسراع في إصدار حكم قضائي، طالب بإعدام الجاني، غير أن الحكم لم ينفّذ، غلبته أصوات المعترضين من الجماعات الدينية المتشددة التي رفعت الصوت قائلة بعدم جواز وضع نفس المسلم بنفس اليهودي!


وضعت الحادثة فاصلاً حاداً في سيرة حياة اليهود في اليمن، وطنهم الأول، الذي رفضوا لأجله كل الدعوات. قبل هذه الواقعة، كان اليهود تعرضوا لاعتداءات متواصلة في منطقة صعدة، إلا أنها لم تصل إلى حدود القتل. قد تكون النجاة حدثاً، ولكن التهجير فظيع. فبمَ يختلف مشهد طرد هؤلاء من أماكن إقامتهم في صعدة عن حادثة القتل في عمران؟ طرد جماعي قامت به حركة «الشباب المؤمن» في 2006، والتي كان يترأسها حسين بدر الدين الحوثي، بحجة أن هؤلاء يمارسون الشعوذة. تدخلت الدولة حينها، وعملت على نقلهم إلى مقر سكني داخل العاصمة صنعاء، صارت مدينتهم. تلك المدينة التي صارت تشبه بـ«حصارها» الحالي، المصير الذي آل إليه اليهود في اليمن، على مراحل.
جاء الربيع العربي. صارت في اليمن الجماعات السلفية السنية المعارضة لإقامة أبناء الطائفة اليهودية في البلد... وكان هناك الحوثيون. تضاعف الخوف، خصوصاً مع سيطرة المتطرفين على أماكن كثيرة وتمدّد جماعة الحوثي من مدينة صعدة إلى مدينة عمران. وكلها أماكن رئيسية لاستقرار يهود اليمن. هكذا، لم يبق لهم إلا المدينة الصغيرة في صنعاء. يطلون منها بحزن على زمن التسامح الديني الذي كانوا فيه. قبل ذلك كله، كان يهود اليمن هم الأكثر ارتباطاً بأرضهم، ثمة حنين لهذا الوطن. فهذه «بلادنا، أين عنسير (سنذهب)»، عبارة قالها أحد المواطنين اليهود من كبار السنّ في اختتام كلمته في ندوة أقيمت عن التسامح نهاية عام 2009 في صنعاء. وإن كان لا يعرف من أين جاء اليهود، وكيف «تشكّلت» ديانتهم، إلا أنها كما يعرف كثيرون الديانة الأقدم في البلاد.
واستمرت الحال على هذا المنوال، إلى أن بدأ نشاط الحركة الصهيونية عبر الجمعية اليهودية الأميركية عام 1948، وهو النشاط الذي أدّى إلى تهجير نحو 40 ألفاً من يهود اليمن إلى تل أبيب خاصةً وإلى مناطق أخرى من العالم عبر عملية أطلق اسم «بساط الريح» عليها. أما النسبة إلى أولئك اليهود الذين كانوا ضد الصهيونية، والرافضين لفكرة قيام دولة لليهود، فقد فضّلوا الهجرة إلى أوروبا وأميركا. ومن تبقى منهم في اليمن، لم يتجاوز عددهم نحو 6000 نسمة، أعلنوا صراحة بأنهم لن يقبلوا الحياة في إسرائيل ، أضف إلى ذلك القصص التي كانوا يسمعونها عن العنصرية المُمارسة ضد اليهود المشرقيين على وجه الخصوص، بحجة انخفاض مستواهم التعليمي وعدم قدرتهم على مجاراة اليهود الآتين من دول «أرقى». إلى هذا كلّه، يضاف الحنين إلى الوطن الأول، فارتباط هؤلاء باليمن وبنشأتهم فيه واختلاطهم بعاداته وتقاليده الاجتماعية، حال دون ركوبهم... «بساط الريح».