تُقارَب المسألة اليهوديّة في بلادنا غالباً، من منظار تقليدي، ولا يدلي رأياً فيها إلا أصحاب الرأي. كأن السائد أن يُترك للناس الذين (عادةً) لا يحبّون البحث كثيراً، خياراً واحداً: كراهيّة اليهود. والحال أن كثيرين ممن هم «تحت العشرين» هنا، وأحياناً الثلاثين (أو أكثر)، لا يعرفون فعلاً، أن اليهود عاشوا في لبنان، والدول العربيّة أيضاً، لفترات طويلة، قبل أن يهاجروا إلى فلسطين المحتلة، أو إلى بلاد أخرى، في الأميركتين البعيدتين من موروثات الشرق تحديداً.


يصح القول أيضاً، إن مقاربة أزمة الهويّة اليهوديّة تترنح هنا بين «موضتين». الموضة الأولى، تحاكي الليبراليّة العربيّة ــ وتدعو بمناسبة أو من دونها ــ إلى عدم معاداة الساميّة، مفترضةً أنها في ذلك تلتحق بما بعد حداثة الحرب العالميّة الثانية. وهذه موضة لا تأخذ بعين الاعتبار تفاصيل أزمة الهويّة في أوروبا، وتُسقطها بلا أي تعديلات على الشرق، وأحياناً تُسقط هذا السجال في غير موضعهِ. والحال أن الموضة الثانية، تستعدي اليهود في الثقافة والسلوك والأدبيات، وتشتق ذلك من مسوغات دينيّة وقوميّة، ما انفك يجرّبها الشرق حتى آلت الأمور إلى ما هي عليه. وبسبب هذا النوع، نجد أنفسنا مضطرين، أحياناً، للقول، إن هذا العدد ليس دعوةً للتطبيع، بل للإشارة إلى إن «اليهوديّة» ليست «إسرائيل». والحال أنهما يختلفان حتى في المنظور الديني، فالاسرائيليّة كطائفة دينيّة سبقت اليهوديّة، على عكس الشائع. إسرائيل التي نعرفها، والتي تطالب بـ«يهوديّة الدولة»، هي العدو. أما «يهود وادي أبو جميل»، وأصحاب «سيناغوغ» صيدا، و«أبو نجيب» في عاليه، وزوار معبد «بنيامين بن يعقوب» جنوباً، فحتى الأمس القريب، لم يكونوا أعداءً، بل كانوا «أولاد حارتنا»، كما أسماهم الكاتب المصري الراحل نجيب محفوظ. وأخيراً، افتتح «كنيس ماغن ابراهام»، في وسط المدينة، السليب أصلاً، ما شكل مناسبة لإطلاق هذا الملف. غير أن الكنيس نفسه، ليس حدثاً، وغالب الظن أنه لمراعاة الحاجات «الإنتروبولجيّة» للسواح الذين يزورون «بيروت الجديدة». الكنيس في بيروت معلم سياحي. ببساطة، لا مصلّين.
(مونودوز)