دمشق | انتهى المخرج السوري أحمد إبراهيم أحمد قبل فترة جديدة من تصوير آخر مشاهد مسلسل «عناية مشددة»، ليكمل المرحلة ما قبل الأخيرة من الاشتغال على هذا العمل، الذي بدأ من نص كتبه الزميل علي وجيه بالتعاون مع يامن الحجلي، مروراً بالتصوير الذي استغرق سبعين يوماً، وصولاً إلى استكمال العمليات الفنيّة، تمهيداً للعرض المقرر خارج الموسم الرمضاني المقبل، وربما في مطلع عام 2015.


يحاول صنّاع «عناية مشددة» تشريح الواقع السوري اليوم، ورصد ملامح أطراف صراع دموي خارج عن المنطق، تعيشه سوريا للعام الرابع على التوالي. يحدث ذلك عبر شخصيات تتسم بمطلق العنف، والدموية، والانتهازية، واللاإنسانية. هكذا، يضرب المشاهدون موعداً مع جميع متناقضات ذلك الصراع، ومع مساحة لقصص الحب والتحديّات التي تواجهها مثل التحوّلات في العلاقات العائلية، وأوضاع النازحين والمهجرين جرّاء الحرب. كل ذلك في عمل يدعو إلى المصالحة بين أبناء وطن بات فعلياً بحاجة إلى عناية مشددة.
هذا المسلسل الذي تصدّت شركة «قبنض» لإنتاجه، واجه تحديات كبيرة خلال فترة إنجازه مثل رقابة النصوص، إذ «خضنا نقاشاً، وجدالاً طويلاً مع هذا الجهاز»، كما يقول المخرج أحمد إبراهيم أحمد لـ«الأخبار». لكنّ المتاعب لم تتوقف عند هذا الحد لأنّ تصويره كان «صعباً ومرهقاً من حيث كثرة المواقع، وتنوّعها، وخطورة معظمها كأطراف داريّا، والقدم، وبساتين صحنايا...». ويشرح صاحب «لعنة الطين» (2010) بعيون متعبة أنّه «رُصدنا في أحد المناطق كموكب يتقدّم باتجاه إحدى الثكنات العسكرية، لكن هذا الموكب لم يكن إلا المركبات التي كانت تقل فريق العمل، وكدنا نتعرض لقذائف المدفعية. وفي منطقة أخرى وقع أحد الممثلين في مرمى نيران قنّاصة المسلحين». حتى أنّ أصوات القذائف بالقرب من موقع التصوير في «مديرية الجمارك العامّة» بالقرب من ساحة الأمويين في دمشق قطعت حديث المخرج لنا. كما كان أحد متاعب الفريق اليومية أيضاً، كما كل سكان العاصمة السوريّة: «الانتظار الطويل أمام نقاط التفتيش».
ليست صعوبات التصوير، والاشتغال على النص، وتأمين الظروف الإنتاجية اللازمة لإعداد العمل في سوريا هي ما يُحسب لصنّاع «عناية مشددة» فقط، بل نجاحهم أيضاً في استقطاب نخبة من الممثلين السوريين، وعلى رأسهم عبّاس النوري الذي يجسّد شخصية «أبو معتصم».

يرى الكاتب أنّ
معاناة الناس لا تعرف موالياً ومعارضاً وحيادياً

سألنا النجم السوري عمّا أقنعه أخيراً بالمشاركة في أعمال تقدّم مقاربة للأزمة السورية المتفاعلة حتى اللحظة؟ وحول ما إذا نضجت الظروف من وجهة نظره لذلك؟ يجيب النوري بأنّ «كل المقاربات الدرامية للأزمة هي محاولات، والجمهور هو من يقرّر إذا كنّا جديرين بها أم لا. وأعتقد أن «عناية مشددة» قدّم إلى حدٍ ما مقاربة قريبة من وجع الناس على اختلافاتهم. ونحن مسؤولون عن محاولة توضيح صورة هذا الوجع وتشخيصه، لكن ليس بحثاً عن علاج لأنّها ليست مهمتنا. للأسف تلك مهمة السياسات التي تتحكم ببلداننا المتخلفة».
لكن من يكون «أبو معتصم»؟ يؤكد النوري أنّ «أجمل ما في هذه الشخصية، هو تماماً أجمل ما في النص بشكل عام، كونه محاولة للكاتبين علي وجيه ويامن الحجلي، وهما كاتبان شابان منفتحان، قادران على استيعاب التناقضات والآراء المختلفة. أنا قرأت المشروع على سبيل الاستشارة قبل أن يجد طريقه إلى الإنتاج، وكانت مشاركتي فيه نظرية في البداية، لكن حينما أخذت منحىً عملياً شعرت بنوع من التحدي لإظهار حقائق الوضع الراهن قدر الإمكان. وذلك عبر شخصيات يجب أن تتحلى بأكبر قدر ممكن من الواقعية مهما كانت جريئة».
ويضيف بطل «ليس سراباً» (2008) أنّه في «عناية مشددة» يؤدي شخصية «حزبي انتهازي، نشأ على تقاليد إيدولوجية تربى من خلالها على الشعار الأجوف، من دون مسلك حقيقي ينسجم مع العقيدة التي يدعو إليها. هو رجل منتفع إلى أبعد حد، ويؤذي الآخرين من خلال انتفاعه، وقادر على التحدث عن الوطنيات ببلاغة وبأسلوب مليء بالتأثير والكذب في الوقت نفسه». ويوضح أنّه «بحثنا عن تاريخ هذه الشخصية، ومعادلها الموضوعي الموجود في حياة الكثير من المنتسبين إلى حزب «البعث» تحديداً. فمنذ عام 1963، وهذا الحزب يحكم البلاد بقبضة صارمة، وبالشعارات أيضاً، والآن امتلكنا بعض الجرأة لتقييم هذه التجربة».
يختتم عبّاس النوري حديثه لـ«الأخبار» قائلاً إنّ «هذا مؤشر جريء في المسلسل يدل على مدى حاجتنا إلى قراءة تاريخنا مهما كان متعفّناً. فقراءة النفس هي الحل الأول والأخير للسوريين اليوم».
أما الكاتب علي وجيه، فأحال النقاش حول طروحات العمل وتحليلها إلى ما بعد العرض، مكتفياً بالإشارة إلى أنّ «وجع الناس لا يعرف موالياً ومعارضاً وحيادياً... وهذا نبض (عناية مشددة)».
أما في ما يتعلّق بلائحة الأبطال، فيضم المسلسل إلى جانب النوري مجموعة كبيرة من الأسماء بينها أيمن رضا، ويامن الحجلي، ومهيار خضّور، وسليم صبري، وفادي صبيح، ورامز الأسود، وأمانة والي، ومرام علي، وعلي كريم، إضافة إلى مهنّد قطيش، وغادة بشّور، وريم زينو، ونزار أبو حجر، وعهد ديب، وتولين البكري، وحلا رجب، ووسيم قزق، وكرم الشعراني وآخرين.