تعيش الحركة الرياضية الجامعية وكأنها في كيانٍ منفصل عن الرياضة اللبنانية عامةً. النمو المطّرد للجامعات، وتحديداً الخاصة، جعل من هذه الحركة نشاطاً، لا أكثر، يمارسه هواة الرياضة، من دون أن يكون له أي مردود إيجابي على الحركة الرياضية في البلاد، التي لا تستفيد فعلاً من كمّ النشاطات التي تنظّمها الجامعات، ومعظمها لأهدافٍ لا ترتبط بالتنشئة الرياضية الصحيحة أو بتقديم أبطالٍ إلى مجتمع الرياضة في لبنان.


طبعاً، لبنان ليس الولايات المتحدة. وهنا التصويب على تحوّل الجامعات الأميركية مصدراً رئيسياً لتغذية الأندية في الرياضات المختلفة بالنجوم أصحاب المستوى العالي، إذ نادراً ما يخرج لاعب إلى الأضواء من دون أن يكون قد برز في جامعته، حيث يؤخذ في الاعتبار ما قدّمه، فيكون الارتباط معه بعقدٍ خيالي.
ولبنان لن يكون الولايات المتحدة يوماً، إذا ما تحدثنا عن النظام الرياضي المرتبط بالجامعات أو بالأغلبية الساحقة منها. فهناك جامعات من مستويات مختلفة، ومنها الحديثة التي تحاول مجاراة الأقدم منها على صعيد استقطاب الطلاب، وتحديداً الرياضيين، عبر إغرائهم بوجود نشاطٍ رياضي يرافق الناحية الأكاديمية. وبالطبع، يبقى الموضوع في دائرة «النشاط» لا أكثر لأسبابٍ تبدأ بطريقة عمل الجامعات في مقاربة الرياضة ضمن حرمها. فهذا النشاط لن يخرّج أبطالاً، على اعتبار أن الجامعات لا تهدف إلى أخذ هذا المنحى، بل نشاطها هو جزء من نظام أكاديمي. والنظام الأكاديمي الرياضي المفيد، يبدأ من المدارس التي لا تُعدّ الطلاب بالشكل المطلوب، فيصعب على الجامعات تطويرهم في حال وجود هذا التوجّه، على اعتبار أن القادمين إليها يكونون قد تخطوا سنّ النضج الرياضي.
بين الخاصة واللبنانية
السؤال عن الهدف من وجود نشاط رياضي في إحدى الجامعات، يأتي جوابه غالباً بأن مدير الجامعة أو أعضاء إدارتها يهوون الرياضة، إضافة إلى جوابٍ آخر بأن الجامعة الحديثة العهد تسعى إلى مجاراة تلك العريقة من باب تقديم كل البرامج إلى طلابها، بينما يعتبر بعضها أن تأسيس فرقٍ تحمل اسم الجامعة هو «الموضة» حالياً.
وانطلاقاً من هذه النقاط، يبرز قاسمٌ مشترك عند جامعات كثيرة تعتمد على إداريين أو مدربين رياضيين غير متخصصين، ما لا ينعكس إيجاباً على المستوى العام، إضافةً إلى أنه لا يضيف أي جديد إلى المستوى الفني للطلاب، وتحديداً أصحاب الموهبة منهم، وهذه نقطة لا تُسهم في عملية متابعة صقل قدراتهم، وبالتالي تقديمهم رياضيين جاهزين للمنافسة على الساحة الوطنية.
وإذ لا يمكن لوم بعض الجامعات الخاصة على عدم أخذها للنشاط الرياضي الخاص بها إلى مكانٍ يمكنه أن يدرّ إيجابيات على الرياضة اللبنانية عموماً، فهذه الجامعات ـ بغضّ النظر عن حقيقة الثقافة الرياضية الموجودة لديها ـ لا تملك المنشآت الضرورية لتأسيس نشاطٍ رياضي مثالي يمكنه أن يفرز رياضيين متفوّقين.

يتداخل التسويق لاسم الجامعة مع التوجهات الرياضية لبعض الجامعات
لكن هذا الأمر لا ينطبق على الجامعة اللبنانية حيث يتمتع حرمها في الحدث بمنشآت رياضية منذ نحو عشرة أعوام بوجود مضمار لألعاب القوى وملعب لكرة القدم وملاعب لكرة السلة وكرة المضرب وغيرها من ملاعب يمكن الاستفادة منها في تنظيم البطولات الخاصة بالجامعة، إضافة إلى تحوّلها في الفترة الأخيرة لاستضافة بطولات رسمية ومنتخبات وطنية.
وبغض النظر عمّا إذا كانت هذه المنشآت متكاملة أو العكس، فإنه لا يوجد في الجامعة اللبنانية نظام لاستقطاب الرياضيين المميزين، والجامعة الرسمية ـ أساساً ـ لا تملك الوسيلة الناجعة لجذب هؤلاء الطلاب على غرار ما تفعل نظيرتها الخاصة لأسبابٍ يمكن ربطها بالجانب التسويقي. وهنا الحديث عن سعي قسم كبير من الجامعات إلى محاولة جمع أفضل الطلاب الرياضيين ضمن أروقتها، فهؤلاء سيجلبون معهم النتائج اللافتة لفرقها في المنافسات المختلفة، وهذا ما سيسوّق اسمها في الإعلام، وبالتالي سيحمل عدداً أكبر من هواة الرياضة على التسجيل في كليّاتها.
ويلفت المسؤول الإعلامي في دائرة النشاط الرياضي الخاصة بالجامعة اللبنانية، الزميل وديع عبد النور، إلى أن «بطولات الجامعة اللبنانية هدفها الاحتكاك الرياضي وتأكيد أهمية الرياضة في موازاة التربية الأكاديمية». ويضيف: «طبعاً لا تملك الجامعة اللبنانية القدرة على تقديم الأبطال أو صقلهم، لكن يمكن نشاطاتها أن تلفت الأنظار إلى بعضهم من خلال بعض البطولات الخاصة بالفروع المختلفة».
جامعات تتحدى النوادي
وفي موازاة الحديث عن الجانب التسويقي الذي يعود بالفائدة على الجامعات الخاصة، ذهبت بعض هذه الجامعات إلى أبعد من هذا الأمر، من خلال الجديّة في التعاطي مع الجانب الرياضي، لدرجة ذهبت فيها إلى تحدي النوادي من خلال هيكليتها وطريقة عملها، ودائماً عبر سعيها إلى استقطاب الطلاب إليها، وعلى رأسهم أصحاب الموهبة الرياضية.
ويؤكد مسؤول الرياضة في جامعة القديس يوسف، مارون الخوري، أن البحث عن الطلاب المميزين رياضياً هو عمل جدّي، «لكن المنح التي تعطى إلى هؤلاء الطلاب يؤخذ فيها بالاعتبار تميّزهم الأكاديمي أيضاً، بحيث يهمّ جامعتنا أن تخرّج طلاباً متفوقين في المجالات كافة». ويذهب الخوري الذي يدرّب فريق «USJ» في بطولة لبنان لكرة القدم للصالات، للتأكيد أن العمل لا يتوقف طوال السنة لجلب الرياضيين المميزين إلى الجامعة، «وذلك من خلال تنظيمنا دورات للمدارس التي غالباً ما يتوافد الطلاب منها إلى جامعتنا».
جديّة «USJ» في العمل الرياضي دفعتها إلى تعزيز منشآتها الرياضية، لا بل ذهابها أخيراً إلى التحضير لإصدار رخصة نادٍ تتيح لها الانغماس في بطولات رسمية في رياضات مختلفة، «لكن رغم كل هذا التقدّم على صعيد العمل الرياضي الجامعي لا يمكننا القول إن الأندية تستفيد من النشاط الجامعي، بل العكس في مكانٍ ما، بحيث إن الطلاب يتدربون في أنديتهم بانتظام، وبالتالي تستفيد جامعاتهم من هذه النقطة، بحيث إن مستواهم المرتفع ينعكس نتائج طيّبة تعود بالفائدة على الجامعة»، يضيف الخوري.
ويلتقي زياد سعادة، المسؤول عن الرياضة في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا، مع خوري في هذا الرأي، من دون إسقاطه مسألة حضور التسويق في توجهات بعض الجامعات، لأن هذا الأمر يلفت الطلاب إليها، بحيث يذهب البعض للانضمام إلى الجامعة التي ترضي طموحاته الرياضية بغضّ النظر عن أقساطها، «لكن في «AUST» تأخذ الأمور منحى آخر، بحيث استخدمنا الرياضة لتحسين علامات الطلاب، إذ إن المهملين لدراستهم لا مكان لهم في النشاطات الرياضية للجامعة».




اتحاد الجامعات «المغيّب»

الاتحاد الرياضي اللبناني للجامعات هو الكيان المفترض أن يضم كل الجامعات رياضياً. إلا أن دور هذا الاتحاد غاب، أقله في العامين الأخيرين، متأثراً بظروفٍ عدة، على رأسها وفاة رئيسه السابق القاضي نصري لحود.
هذا الاتحاد كان قد أصبح في كنف وزارة التربية خلال عهد الوزير السابق للشباب والرياضة أحمد فتفت. لكن قبل عامين، عاد الاتحاد الجامعي الى وزارة الشباب والرياضة، التي طلبت وفق المرسوم 8990 إطلاق اتحاد جديد، على أن تؤسس الجامعات أندية لها. وهذا الأمر عارضته الجامعات على اعتبار ان هذه الخطوة لا تتلاقى مع قدراتها او اهدافها، ليتم بعدها تشكيل لجنة يرأسها رئيس الاتحاد السابق للكرة الطائرة المحامي نصري لحود، فدخلت هذه اللجنة في مفاوضات مع الوزارة، حيث حصلت بعض التعديلات التي كانت مفروضة عليها، في موازاة قبولها بتحوّل الجامعات الى اندية بشكلٍ تدريجي.
وفي وقتٍ يبدو فيه النشاط الرياضي الجامعي كثيفاً، غابت نشاطات الاتحاد الرياضي اللبناني للجامعات في العامين الاخيرين، حيث لم يقم سوى بتنظيم دورة في كرة المضرب تكريماً لرئيسه الراحل لحود.
حالياً، وفي موازاة عمل اللجنة على تفعيل الاتحاد والتحضير لإجراء انتخابات، يتم التحضير لإطلاق روزنامة بطولات مختلفة للجنسين في كرة السلة والكرة الطائرة وكرة القدم للصالات والسباحة وكرة الطاولة والريشة الطائرة والتايكواندو وألعاب القوى والشطرنج.
ويلفت الأمين العام جورج ناضر الى أهمية اطلاق هذه البطولات بأسرع وقتٍ ممكن، «وخصوصاً ان كثافة النشاطات الرياضية حالياً يمكنها ان تفرز منتخبات جامعية قوية في الالعاب المختلفة، وهو امر لطالما كان اساسياً في عمل الاتحاد، حيث كان همّنا في الفترة الماضية ألا نفقد مكاننا على الصعيد الدولي، ونسعى بكل قوانا للعودة الى تمثيل لبنان خارجياً بأفضل صورةٍ ممكنة».