ذات ليلة، وأنا جالس في المنزل على أهبة الاستعداد للنوم، قرابة منتصف الليل، رنّ الهاتف. أحد الأصدقاء اتصل في توقيت غير معهود. على وقع الاتصال المفاجئ، أجبت متردداً، متوجساً من خبر سيّئ، رنّة الهاتف نذير شؤم في أوقات معينة.

بصوت خافت ومتهيّب سألني الصديق إن كنت قادراً على «أن أترك كلّ شيء وأصعد على الفور إلى مزار حريصا». نذير شؤم من جديد: «خير، حدا بو شي؟»، سألت، ليأتي الجواب مفاجئاً... «لا، لكن هناك ظهور عجائبي للعذراء مريم هنا في سماء مزار حريصا، وأنا أعرف أن إيمانك ضعيف وتشكك في هذه الأمور. لذلك أريدك أن تصعد شخصياً لتشهد على ماذا يحصل هنا». برغم معرفته أنني لا أصدق أموراً كهذه، رفض الخضوع وأصرّ عليّ أن أصعد مباشرةً. حاولت محاججته عقلانياً بالقول: إنّي وإن سلّمت جدلاً بفعل الظهور، فلقد أصبحت في الفراش، وإن أردت الوصول إلى مكان الأعجوبة، فسيستغرق الأمر وقتاً يتجاوز أوقات «الظهورات العجائبيّة»، على ما أسمعه عن روايات كهذه.

قد لا ينتظر ظهورٌ كهذا أن ألبس ثيابي، وأركب السيارة لأصعد من جونيه إلى حريصا. على مضض استسلم الصديق لواقع الأمور، مستبدلاً حضوري بوصف دقيق لأحوال زوار المزار من المؤمنين، تزامناً مع الظهور. من الناس من ركع أرضاً منكبّاً على الصلاة.
ومنهم من امتلأ بهجة بظهور تزامن مع أمنيات كان قد رفعها في تضرّعاته للعذراء، وها هي تظهر كإشارة على رضاها. فهمت منه أنّ الدهشة العارمة تعتري تأملات الجميع بالسماء التي يتوسطها ضوء قويّ، في وسطه خيالات للعذراء تتحرك ببطء. انتهت المكالمة هنا.
رحت أتقلّب على وسادتي، أفكّر بأجواء الصّدمة في حريصا. ومن جهة أخرى، شُغلت بالتتابع المنطقي للإيمان بالأعاجيب وتصديقها. فإن كانت الأعاجيب حقيقةً، لا خرافات تسهم في أسطرة الروايات الدينية، فمعنى ذلك أن الله يتدخل مباشرةً في الحياة الإنسانية على الأرض، وأنه ليس هناك قطع بين العالم الذي نعيش فيه، والعالم الماورائي الذي يؤمن به الآخرون. في الأمر ما يريح النفس، بصراحة، أقصد الحديث عن «عين ساهرة» على كل مجريات الحياة، وأنّه فعلاً، لا «تسقط شعرة من رؤوسنا إلا بإذن من الله»، كما يقول يسوع في إنجيل لوقا، ولكن من جهة أخرى،

القول إن تمثالاً
للعذراء مريم «برم» دعماً للائحة انتخابية على أخرى ليس رواية لا تعود إلى قرون خلت



القناعة بالتداخل بين عالمين، واحدٌ نعرفه، والآخر نقرأ عنه في الكتب المقدّسة، تجعل من الخيارات الإنسانية أشبه بأوهام، كما تقيّد العقل في صورة مطابقة لوضعية الطفل ما قبل النطق. فبعض علماء النفس يقولون إنّ الطفل «قبل النطق الأول لا يكون عقله واعياً على استقلاله الجسدي والنفسي عن أمه، وأنّ عملية النطق هي المرحلة الأوليّة لوعي الذات على استقلاليتها ككيان». حسناً، أليس في استجابة العذراء إلى الصلوات والطلبات والتضرعات تدخلاً إلهياً في استقلالية خيارات المؤمنين، التي على أساسها يجري الحساب يوم الحساب؟ أليس في الظهور تأكيد على تداخل عالمين، وتماهٍ للخالق بالمخلوق، ودليل على عدم استقلالية الذات الإنسانية عن خالقها على هذه الأرض؟ ولكن ما الذي يستدعي بملكوت السماوات البحث في اهتمامات أصحاب ملكوت الأرض؟ يجب أن أعترف هنا، بأن نوعاً من التماهي بين الإلهي والإنساني، على هذه الأرض، إيمان يحضّ البعض على النّسك والتبشير بغائيّة الحياة والدعوة إلى المحبّة. ولكن على صديقي الذي هاتفني بعد منتصف الليل، أن يعترف بدوره، بأنّ التدخل الإلهي في الأرض قد يطمئن المؤمن إلى أن الخيارات المصيرية تجري أحياناً بتدخل إلهي مباشر.
«القتل على الهوية» باسم المصلحة الدينية، لم يحدث منذ زمن بعيد في لبنان. والقول إن تمثال للعذراء مريم «برم» دعماً للائحة انتخابية على أخرى، أيضاً رواية لا تعود إلى قرون خلت، إنما إلى سنوات قليلة. كيف إذاً يستقيم منطق الأعجوبة وما يلحقه بالتتابع المنطقي، من علاقة وتداخل مباشر بين الميتافيزيقي والإنساني؟ أسئلة كثيرة راحت تدور في رأسي قبل أن أستسلم للنوم، لأصحو في اليوم التالي على خبر مفاده بأن «القيّمين على مزار حريصا أصدروا توضيحاً يفيد بأنهم وفي إطار تحديثهم للمزار وضعوا مصابيح ليلية في أسفل تمثال العذراء مريم، وأنّ انعكاس ضوء المصابيح على الغيوم في السماء هو الذي تسبّب في ظهور ظلّ للتمثال في السماء، وليس في الأمر أعجوبة»، فاقتضى التوضيح.