لعل أهم الأسباب التي تفسر الانتشار الواسع للأسطورة في مجتمعاتنا، بحسب ما يرى المؤرخ العراقي الدكتور خزعل الماجدي هو الفشل في التحضر والابتكار العلمي.

يؤكد الماجدي أن مجتمعاتنا العربية ما زالت تعيش في «التاريخ الوسيط» الذي هو تاريخ دينيّ عرف بسيادة الدينين الشموليين (الإسلام والمسيحية)، وعندما حلّ التاريخ الحديث ثم المعاصر في العالم كله بقينا في منطقتنا العربية، نحمل العقائد القروسطية: «لم نتمكن من بناء مجتمعات ودول حديثة ومعاصرة، وظلت هياكل دولنا هشّة تقتلعها أي عاصفة سلفيّة».
والأمر الخطير، كما يرى الماجدي، يتمثل بكون أعراف القرون الوسطى الدينية، ومنها الأساطير، تلك التي تخرج من الأغوار المظلمة لماضينا ومن قاعنا اللاشعوري الجمعي، تتحرك اليوم في الشارع على شكل شعارات وصور لاهبة، وتفجيرات وحروب ومعارك أهليّة، تحصل باسم الله والرموز المقدسة. الأساطيرـ، تخرج اليوم على هيئة سيارات مفخخة وتجمعات وجماعات (خيريّة أحياناً) وشعارات وصور ولافتات ودعوات للموت والشهادة. ورغم أن الديانات التوحيدية حاربت الأساطير، يؤكد الماجدي أنه لا يمكن لأي دين في العالم أن يخلو من الأسطورة: «إن علاقة الأسطورة بالدين أساسية جداً». برأيه، ما من أساطيرٌ خارج الدين أبداً، فالدين (من وجهة النظر العلمية، وتحديداً من وجهة نظر علم الأديان وهو أحد العلوم الإنسانية) يتكون من ثلاثة مكونات رئيسية هي ( المعتقد، الأسطورة، الطقس) ومن ثلاثة مكونات ثانوية هي (الشرائع والأخلاق، السير المقدسة، الجماعة والمذاهب)، وهكذا فإن الأسطورة هي «العمود الفقري لكل دين». ولديها وظيفتها: تبسّط العقائد وترافق الطقوس للمؤمنين البسطاء (خصوصاً) لكي يفهموا ويستوعبوا ويؤمنوا بدينهم، فهم قد لا يشعرون باهتمام شديد تجاه العقائد الفكرية للدين، لكن الأسطورة تبسط الأمر، على شكل «حكاية» تارةً، أو «أيقونة» تارةً أخرى.. يشير الماجدي إلى أن الديانات التوحيدية مليئة بالأساطير التي شملت إعادة تفسير العالم، وسير الأنبياء السابقين بطريقة جديدة... «صحيح أن الديانات التوحيدية قد قلصت الأساطير، وأصبح ما توافر منها مرتبطاً بالله فقط، ولكن غياب الأساطير جعل الإنسان بحاجة إلى إشباع عقلي وروحي لكي يسد حاجته وفضوله في ما يحل به وبالعالم من أحداث»، وهكذا حصل نوع من الانزياح في مركز هذه الأساطير (أي المقدّس فيها) لتشمل الأنبياء والأولياء والقديسين والأئمة وغيرهم من الرموز الدينية، وتدخلهم في دائرة القوى الغيبية. وعلى هذا النحو، أعيد ترتيب الأمور فأصبح المقدّس الأول متعالياً، وصارت الحكايا المقدسة تشمل الأشخاص الكبار، في الدين، فيوضعون في مرتبة شبه مقدسة، وهكذا، لبست الأساطير ثياباً جديدة، لبسها الناس أيضاً، وشعروا بالمقدّس «يحميهم أو يحلّ فيهم أو يباركهم». كثيرة هي تمظهرات الأسطورة واقعياً في عالمنا العربي، فالأمثلة لا حصر لها بحسب ما يرى الماجدي. أهمها ما يتعلق بمعجزات النبي عند السنة والشيعة معاً، ومعجزات الأئمة عند الشيعة حصراً، ومعجزات المتصوفة، «سير هؤلاء جميعاً مليئة بالحوادث الغيبية والإعجازية التي هي نوع من الأساطير». توصل الماجدي في أبحاثه إلى أن الهدف من ذلك كله، لم يكن السرد الحقيقي، بل وجدت تلك التمظهرات للعظة وإضفاء الطابع المعظّم، لكي «يشعر الناس بقوة هؤلاء، وتربط مصير من يؤمن بهم بها»، لكن الناس حولوها، بتواتر السرد، إلى حقائق تاريخية ثابتة. يستدرك هنا: «لا أمسّ بمعتقدات أحد، وهذه ليست وظيفتي، بل أنا أحلل الأمور بطريقة علميّة». يؤكد الماجدي أن الأمر لا ينحصر في الإسلام فقط، بل هو موجود في جميع الديانات، ولو خلت منه هذه الديانات لكان هناك خلل فيها، وهو ما لم يحصل. وهنا، يدعو إلى «إحداث ثورة ثقافية صريحة لكشف تمظهرات الأسطورة الدينية وتلوناتها الحديثة، ولفضح هذه الأساطير التي لا يزال الكثير منها نائماً في بطون الماضي والكتب الصفراء».
يدعو الماجدي إلى تعرية أهل الأسطورة، ووضعهم في حد القانون الجنائي، الذي يحاسب على جرائم من هذا النوع، باعتبار الحياة المدنية للإنسان هي الأساس، أما الحياة الدينية، فهي... ـ«مسألة شخصية».




خزعل الماجدي مؤرخ أديان وحضارات، أستاذ جامعي، شاعر، كاتب مسرحي مقيم في هولندا. له العديد من المؤلفات في علم وتاريخ الأديان.