بين بيروت وصيدا، وعلى امتداد الأوتوستراد الساحلي الذي يربط العاصمة اللبنانية بالجنوب، كان المشهد الذي أعادنا 20 سنة الى الوراء. مشهدٌ كان مفقوداً منذ سنوات عدة، وعاد فجأة لأسبابٍ قد تبدو مختلفة، لكنها ظهّرت الصورة الأجمل حتى الآن في الموسم الجديد للدوري اللبناني لكرة القدم.

عند الظهيرة، كانت السيارات والفانات منطلقة من بيروت، من مدينة «الدربي». السائقون والركاب كشفوا عن هوياتهم عبر رفع أعلام النجمة والأنصار من نوافذهم. هم قرأوا القمة قبل بدايتها، علموا أنهم أمام يومٍ مشهود.

يومٌ لم تعرفه الكرة اللبنانية منذ زمن طويل. منذ الزمن الجميل الذي يحنّ إليه البعض، والذي انتهى بالنسبة الى الكثيرين بين أواخر التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة.
قبل ساعتين على بداية «كلاسيكو» لبنان، كان الجمهور حاضراً في محيط ملعب صيدا وعلى أبواب المدرجات، ومن يعرف الكرة اللبنانية جيداً لا بدّ أنه لمس بأن الوضع سيكون على هذه الشاكلة، لذا كان الزحف باكراً باتجاه المدينة الجنوبية.
مشهد يوم أمس أصبح ملازماً لكرة القدم اللبنانية. مشهدٌ لا يقدر أحدٌ على صناعته سوى النجمة والأنصار. مشهدٌ مهّد الأنصار له وظهّره النجمة وجمهوره وواكبه مشجعو الفريق الأخضر أيضاً. وهنا الحديث بالتأكيد على أن سبباً رئيسياً كان وراء حشد «النبيذي» لمناصريه الذين قَدِموا من المناطق المختلفة، والسبب هو ارتفاع مستوى الأنصار هذا الموسم، ووقوفه على مسافة واحدة من النجمة على لائحة الترتيب العام، فكان لا بدّ من تسجيل موقفٍ. وهذا الموقف كان عبر الحضور بأكبر أعدادٍ ممكنة، إذ إنه بالنسبة الى النجماويين، قد يكون مقبولاًًً التنازل عن لقب البطل لأي كان ما عدا الأنصار.
إذاً، ارتباط الفريقين البيروتيين هو ما يصنع المشهد الجميل في كرة لبنان. ارتباطهما على صعيد المنافسة وعلى صعيد الحساسية هو ما يقدّم كرتنا بأبهى حلّة، إذ مما لا شك فيه أن تأثير الجمهور انعكس إيجاباً في مستوى اللاعبين، وبالتالي المباراة التي كانت ناجحة بكل المقاييس، فنياً، تحكيمياً، وأمنياً. وفي النقطة الأخيرة دفن جمهور النجمة والأنصار كل تلك المخاوف التي تلصق التهم البشعة بكرة القدم، في الوقت الذي يُستباح فيه كل شيء في رياضات أخرى تحظى بتغطية سياسية واسعة.
أصلاًً، السياسة كان لها دور في «الهدوء» الذي عاشته المدرجات أمس، إذ إن الخطاب السياسي المنمّق أخيراً في شارعَي الجمهورين، قدّم جمهورين رياضيين لا أكثر.
لكن، وفي موازاة هذا الدور، سقطت كل رواسب السياسة خلال الدقائق الـ 90، وكل الأسباب التي كانت وراء منع الجمهور، وكل المخاوف الإرهابية الحالية التي تركت عشاق كرة القدم خلف الشاشة لا أكثر لسنوات عدة.
النجمة والأنصار «وبس». هما من يصنعان العرض، هما من يمكنهما إحياء اللعبة، وهما من يمكن أن يدفعا جماهير الفرق الأخرى للانجرار خلفهما، والدليل كان ملموساً قبل الموسم الماضي عندما تعرفت المدرجات إلى اللون الأصفر الخاص بنادي الصفاء الذي زاحم النجمة ومشجعيه على لقب الأفضل كروياً وجماهيرياً.
النجمة والأنصار «وبس». أليس «النبيذي» و«الأخضر» الأفضل في تاريخ الكرة اللبنانية، إذ جاءت فرق وذهبت أخرى، وهطلت الأموال في أندية وأغرقت أخرى، لكن بقي قطبا بيروت مركز الثقل في لعبةٍ طبعاها بطابعهما الخاص، لأنهما بكل بساطة قصة أخرى. قصة يختصرها جمهورهما بعشقٍ موروث يتشرّبه الصغار من أولئك الموهوبين الذين يدافعون لاحقاً عن ألوان الفريقين، وأولئك المشجعين الذين يصبح فريقهم فرداً من العائلة.
أشرقت الشمس يوم أمس على مشهدٍ رياضي جميل في وسط العاصمة مع ماراثون بيروت، وغابت على مشهدٍ أجمل في صيدا. مشهدٌ رسمه بخطٍ أبيض، النجمة والأنصار وبس.