من السهل على آلة التصوير التي تديرها التلفزيونات المحليّة أن تلتقط صوراً عشوائية من طرابلس. صور قديمة وظفتها على طريقتها لسنين مضت قبل أن يُسجن «زعران» طرابلس ويفرّ آخرون. صبغت المدينة بالإرهاب و«الزعرنات»، وهي التي «ترتدي ما يلبسونها» على مضض. ثمة صور جديدة أيضاً، وقد وظفتها في الأيام الماضية «على طريقتها» بعد ما «سُجن زعران طرابلس، وفرّ آخرون»، فظهرت المدينة وكأنها تنفض عنها غبار السواد والظلام.

كل هذه الصور سهلة، ولا تخطئها العدسة. غير أنه في طرابلس أشياء وأشياء، لا تستطيع أن تلتقطها الكاميرات. أشياء تُحسّ ولا تٌرى، أشياء تُلمس باليدين، آيات وتراتيل نُقشت على حيطان الحجر الرملي، الحجر البارد صيفاً. في طرابلس آيات الجمال مصنوعة باليدين، حملتها السنون كحبات الليمون فوق الشجر، كرائحة الياسمين آخر الليل، كنجومٍ تتلألأ في السماء، تنير دروب العاشقين والمسافرين. قصص وحكايات حملتها الذاكرة، وتناقلتها الأجيال، عن مدينة فاض نهرها حباً، فجرف من جرف، عن مدينة صمدت بوجه الغزاة، عن مدينة صنعت حياة. عن مدينة، تحولت إلى جمهورية للمطلوبين يوماً، وهي نفسها، مدينة قدّمت للوطن ما لم يقدمه لها الوطن. مدينة حملت صور شهدائها من دون كلل، وحملت همّ فقرائها بلا خجل.

طرابلس، التي تبدأ صباحاتها باكراً، قبل الشمس، يتسلل سكانها من فراشهم على رؤوس أصابعهم، لكي لا يوقظوا الشمس. يريدون استقبالها على أبواب محالهم، بعد أن يعدّوا فناجين القهوة، فتوقظ رائحة البنّ الشمس، فتحضر جلساتهم قبل أن ينكبّوا على أعمالهم، تزحف إلى المحال التي تقدّم الفطور صباحاً... «كعك بالجبن» وفنجان شاي، كنافة، حمّص وفول، فتّة، سحلب وحبوب، مناقيش على أنواعها، لحم نيء. هنا، في طرابلس، لكل منتج محل يشتهر بتقديم الأفضل، فأهل المدينة يعرفون دروبهم جيداً.
في طرابلس، الأسئلة أكثر من البشر. عابرو السبيل يشربون ماءً بارداً يروي ظمأهم في الصيف، المياه مجانيّة هنا. وهذا ما لا تملكه العاصمة إلا فيما ندر. تتجه نزولاً عبر الأدراج القديمة التي تخترق المباني والمناطق، من «أبو سمرا» نحو «القلعة»، تعرّج على مقام «سيدي عبد الواحد»، الشريف الصوفي عبد الواحد المغربي المكناسي، وهو مغربي الأصل، جاء إلى طرابلس مع الفتح الإسلامي للمدينة عام 705 للهجرة، وبنى فيها المسجد الذي عرف باسمه فيما بعد، وله مقام مماثل في ليبيا، لكن جثمانه مدفون هنا في طرابلس. طرابلس الحقيقيّة، لا «طرابلس الغرب»، مع محبّتنا لليبيا والليبيين. مدينتنا تخبئ تحت ترابها أجساد العشرات من الأولياء الصالحين، ويرجع الكثير من علماء التصوّف أنها مهد الأولياء الصالحين ونقطة انطلاقهم إلى العالم. تتابع نزولاً إلى سوق «باب الحديد». السوق التي لا تزال تحافظ على شيء من عراقة المنتجات اليدويّة. بائع منتجات القش يعرض بضاعته على الرصيف المقابل لمسجد البرطاسي، وخلفه إسكافي فقد عينه اليسرى أثناء العمل قبل عشرات السنوات، كنت أخاف في صغري من زرقة في عينه.
تتوغل في الخانات إلى قلب المدينة. تمرّ بخان الصابون وخان الخياطين وخان العسكر وسوق الصاغة وسوق النحاسين وبائعي الموبيليا لتصل إلى ساحة السراي العريض. هنا، لا يمكنك أن تغض الطرف عن طقس يمارسه الطرابلسيون بخشوع، لا مجال أن تخرج من الساحة من دون أن ترتشف كوب «الخرنوب» الذي مرّ على وجود بائعه خلف هذه العربة النحاسية عشرات السنين. جدّي كان يرتشف الخرنوب في شبابه من هذا المكان أيضاً.
تكمل يساراً نحو ساحة النجمة، ماراً ببائعي الكعك الطرابلسي، ومحال بيع «الشنط» والأحذية الجلدية العريقة، قبل أن تتجه يميناً نحو ساحة التل، مركز التقاء أهل المدينة وزوارها، نقطة الوصول إلى طرابلس والانطلاق منها. ترشدك إلى الساحة ساعة طويلة تناطح السماء في ارتفاعها، تبث أصواتاً بين الفينة والأخرى. جولة سريعة ليست كافية في هذه المدينة التي يمكن أن تمضي فيها أشهر ولا تنتهي من مشاهدة معالمها، قبل أن تركب الباص، وتعود إلى بيروت، أو من حيث أتيت. هذه نسبة ضئيلة من المشاهدات الطرابلسية، وهذا المقال مجحف بحق ما تملكه طرابلس من قصص وصور ومعالم، قصص لا تستطيع الكاميرا أن تلتقطها.