ولدتُ هنا في منزل جدّي في «شارع المدارس» بالزاهرية ـ طرابلس. سبعُ غرف واسعة وشرفات ضيّقة. عائلتان وأطفال وأغراض كثيرة ومكتبة، على رفوفها روايات بالعربية والفرنسية ومعاجم وكتب تاريخ وعلم نفس وشعر وقرآن. داخل الكتب، توجد قصاصات ورقية طارئة تروي أحداث السبعينيات، دوّنها جدّي بانتظام إلى جانب تواريخ عائلية مهمّة وأقوال عربية مأثورة. تلك قصاصة لفاتورة دورة «تعليم خياطة» من شركة «سينجر» باسم عمّتي، والتي كانت إحدى بنات طرابلس اللواتي تعلّمن الخياطة في مشغل الشركة الأميركية في باب التبّانة.


تقع مكتبتنا الخشبية في «غرفة الحرب». تلك الغرفة التي كانت الملجأ الأول للعائلة عند اشتداد القصف: قصف الثمانينيات. لا تتوقف الجارة أم نبيل، المناضلة الجميلة وزوجة المسؤول السابق في الحزب الشيوعي اللبناني، عن سرد قصّتها المشوّقة التي كانت الطريقة الوحيدة لإلهائنا عن متابعة مسار القذائف وتجنيبنا نوبات الرعب المرافقة. اتسع المنزل لكل المناسبات، ولم يضق يوماً بأهله الكثُر. هنا، في ذلك المنزل، خبّأتُ أولى نقودي، وهنا رقصتُ مع خالد ابن الجيران في عيدي الثامن، وهنا علّمتني جدّتي كيف أخيط أثواباً للدمى. في تلك الزاوية، كانت شجرة الميلاد وعلى الشرفة «الغاردينيا» والحبق ودرّاجتي الأولى.
هناك، في غرفة الحرب، رأيتُ جدّي يغمض عينيه للمرّة الأخيرة. يومها، تعرّفت الى الموت وبَغضتُه. نام جدّي تحت رفوف كتبه ورحل. على الطاولة المستديرة، وسط الصالون وضعنا صورته الباهتة وأيقونات.. ثم صورة جدّتي. بيني وبينها أسرار ما زالت مخبّأة في «جوارير» ماكينة الخياطة، وفي علبة «الحراتيق» وبين فساتينها الأنيقة.
ولدتُ بين رائحة الخشب الذي كان يحمله جدّي كل ليلة من منشرته في «الغرباء»، وبين عطر ماء الورد الذي كانت تعتقه جدتي وحنان كثير.
شرفة المنزل الضيقة تطلّ على مدرسة للبنات تحمل اسم جبران خليل جبران. يرنّ الجرس الأخير، أهرع الى الشرفة لألتقط أولى لحظات خروجهنّ من البوابة السوداء الصغيرة. يصرخن كلّ مرّة بأعلى أصواتهنّ ابتهاجاً بالحرية، فتكتمل فرحتي بالمشهد العظيم.
أسفل المدرسة يقع محلّ خليل، الرجل الفلسطيني صاحب البسمة الدائمة. دكّانه كان يتحوّل حضانةً لي ولإخوتي كلّما انشغل الأهل لأسباب طارئة خلال النهار. ولكم أن تتخيّلوا «حضانة» في مكان مليء بالسكاكر والشوكولا.
قُصفت المدرسة أخيراً في إحدى جولات زعران المدينة. كانت خالية من التلامذة، ولكنها تشوّهت. لم أعد أخرج الى الشرفة كثيراً... باتت مصنّفة مكاناً خطراً معرّضاً للقنص. غادر بعض الجيران ورحل أصحاب الدكاكين. غزت الفوضى الأرصفة ومحيط المدرسة وداخل البناية وصولاً الى الشرفات المجاورة. في الشارع الضيّق، ملّالات للجيش وعلى الشرفات أعلام «لا إله الا الله» السوداء. فجأة، تغيّر السكّان جميعهم.
استمرّت المعارك والجولات حتى اختفى الحيّ. بقيت جارتان وأم نبيل. أما نحن، فقد ضاق بنا الشارع والمنزل ولم تعد غرفة الحرب نافعة حتى في أوقات الهدن المستقطعة. هدن حروب كثيرة حدثت ما بعد عام ٢٠٠٥.
قبل أسابيع، وقَفَ الجيران القدامى يودّعوننا بأسى، على أبواب منازلهم وعلى الأرصفة والشرفات. لم يفهم السكّان الجدد لما ذُرفت دموعاً كثيرة عندما أُغلق باب المنزل لآخر مرّة. لن يفهموا، فهم لم يكونوا هنا قبل ٤٠ عاماً.
أجبَرَتنا جولات زعران المدينة وجنون تغيّر الأحياء السريع في طرابلس على ترك منزل عشنا فيه أربعة عقود والرحيل. جمَعْنا الكتب والصور والفساتين والغاردينيا وغادرنا منزل الزاهرية على عجَل. المنزل الذي ولدتُ فيه وسكنه ١١ شخصاً وجيران وأعياد ميلاد وحرب وزغاريد وموائد وفراق وصلوات. جاء الغُزاة وسلبونا ٤٠ سنة وبيوتاً عزيزة وأحياء بكاملها. قبل أسابيع هربنا من الزاهرية. لكننا، لم نترك المدينة بعد.