في منتصف عام 1938، جلب صاحب أحد المقاهي في صور ماكينة عرض أفلام 35 ملم، وبدأ المغامرة. تناول شرشفاً من تلك المخصصة للطاولات الداخلية، وفرده على الحائط المحاذي للمقهى، وأدار الماكينة. كان هذا العرض «السينمائي» الأول. تجمّع أهل «حارة صور» وروّاد المقهى، حول هذا الاختراع العجيب، وشاهدوا أول فيلمٍ في المدينة. هكذا، بهذه البساطة والروح الشعبيّة، كانت أول تجربة. كان الناس يتجمعون حول طاولاتهم مع نراجيلهم وقهوتهم وسجائرهم ليشاهدوا السينما.


بعد عامين من التجربة، لم تعد سينما المقهى وحيدة في صور.
كرت السبحة. افتتحت صالة سينما روكسي عام 1940 في ما يسمى اليوم منطقة «الجعفرية»، تلتها «أمبير» قرب ميناء الصيادين والـ»ريفولي» و«دنيا». وفي عام 1952، كانت الخاتمة مع سينما الحمرا.
هكذا، شهدت «الحارة» مع تلك الصالات عهداً جديداً. صار هناك سينما، وصار لها «مفهوم»، فالدخول ليس مجانياً هنا، إذ يجب دفع ثمن التذكرة قبل العبور. مع ذلك، لم يكن في الأمر عائق، فعشاق السينما كثر.
لكن، لم يهنأ أبناء «الحارة» بالسينما طويلاً. فسرعان ما بدأت تلك الصالات تغيب الواحدة تلو الأخرى... حتى كان منتصف الثمانينيات. ومثلما كرت السبحة في عام 1938، كرّت هي الأخرى في ثمانينيات القرن الماضي، ولكن بشكل عكسي. هكذا مثلاً، استحالت سينما روكسي «منجرة» وأمبير بقايا غرفة مهدمة والريفولي أقفلت إلى غير رجعة ودنيا أخلت مكانها لمبنى حديث يضم مكاتب ومحال. وفي مطلع التسعينيات، أقفلت الحمرا أبوابها. تماماً، كما في فيلم «سينما باراديسو». نهايات متشابهة: الصعود ثم القمة ثم الهبوط ثم الموت. وفي مرحلة ما قبل الإقفال، سنرى تلك الصالات تتجه لعرض الأفلام الإيروتيكية أو الإباحية، مستجديةً البقاء فقط. هكذا، خيّم ظلام كبير على المدينة.
انتهى كل شيء. لكن، ما معنى أن تكون مدينة كبيرة، كصور، بلا صالة سينما؟ تماماً، كما يمكن أن تكون باريس بلا برج إيفل ومتاحفها الكثيرة.
وإن كانت سينما الحمرا قد أعيد إحياؤها (…)، إلا أنها لم ترجع «الأيام الخوالي». لم ترجع إلا مصطفى الصدقي، الذي كان أحد روادها في عصرها الذهبي. هذا الرجل،

افتتحت صالة سينما روكسي عام 1940 في ما يسمى اليوم منطقة «الجعفرية»، تلتها «أمبير» قرب ميناء الصيادين والـ«ريفولي» و«دنيا»


كانت هناك بعض الماكينات في منطقة النبي إسماعيل وفي الحارة المسيحية في صور

الذي صار همه اليوم كيف يعيد الرواد إلى «الحمرا»، فتراه تارة يحضر امرأة من الشارع مع «أكياس الخضار والفاكهة» لتملأ كرسياً في السينما قبل بدء العرض، وطوراً ينادي على العابرين «لحق حالك يا شاطر». في أحد الأيام، «تحرقص» مصطفى، عندما اقترب موعد العرض ولم يجد جمهوراً كافياً، فهرع إلى الشارع ينادي.
بعد 25 عاماً من الإقفال، عادت الحمرا في شهر حزيران الفائت بهمّة شباب فريق مسرح إسطنبولي، لكنها لم تُعِد عشاقها. فجُل من تراهم هناك من العاملين فيها، وبضع شباب ورجال سبعينيون ينتظرون فيلماً لشارلي تشابلن!
لم يبق الكثير، حتى في ذاكرة الناس. وجل ما يستذكره هؤلاء من سينما الحمرا أفلام القتال والويسترن والأفلام الهندية والأخرى المصرية. ويستذكر آخرون أبرز وجوه الفن التي مرت فيها في حقبة السبعينيات والثمانينيات من شوشو إلى دريد لحام ونصري شمس الدين والشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم ومرسيل خليفة...
وحده، أبو عبد الله الدلحين، ابن حارة صور القديمة، يحتفظ في ذاكرته بـ«خبريات» عن تلك الأيام... حتى قبل سينما الحمرا، عندما كنت الأفلام تعرض «بمبادرات من أشخاص كانوا يستأجرون ماكينات للعرض ليعرضوا ما تيسر من أفلام، إلا أن العروض كانت تتمركز في ذلك الحين في مكانين: الحِسبة (الحِسبة القديمة) والعين وهي موقع أثري قديم، فيما كانت هناك بعض الماكينات في منطقة النبي إسماعيل وفي الحارة المسيحية في صور».
في تلك الأيام، كانت تكلفة مشاهدة الفيلم «بالكاد تبلغ عشرة قروش، وكنا نجلس إما على كراسي أو على الأرض ومعظم الأفلام كانت صامتة، إما لعدم وجود نسخ بشرائط صوتية، وإما لعدم وجود مكبرات للصوت».
لم يكن في حينها توجد إذاعات ولا مبانٍ للصق «أفيشات» الأفلام، «فكنا كلما كان هناك عرض لفيلم ما، نجلب قطعة خشب مربعة كبيرة، نلصق عليها أفيش الفيلم ونجول داخل حارات المدينة، ونكافأ بعدها بالسماح لنا بمشاهدة الفيلم دون ثمن التذكرة. حتى أننا كنا نختبئ أحياناً داخل الصالة للتلصص في المساء على أفلام الكبار».
يتذكر أبو عبد الله أنّ أولى الأفلام التي عرضت داخل السينما كانت «عنتر وعبلة والخلفاء الأربعة». أما أول فيلم عرض في المدينة، فقد كان فيلم «أضواء المدينة» لشارلي تشابلن، الذي طلب الناس مشاهدته 3 مرات متتالية.

مصطفى الصدقي:

لعل ما يميز سينما الحمرا، هو مصطفى الصدقي. ولعله الوحيد من جيران السينما في صور الذي يواظب على الحضور والمساعدة في الإعداد للعرض وفي نشر أخبار النشاطات في المقاهي وفي إحضار الناس إلى السينما. في كل ليلة، يجلس هناك ويعيد شريط ذاكرته أيام الاحتلال الإسرائيلي، عندما قصفت السينما خلال «إلقاء ياسر عرفات خطاباً في صالة السينما».