في أمسية 19 ايار 2002 كانت نقطة التحوّل. الصافرة الثلاثية التي اطلقها الحكم الايطالي باسكال رودوموتو كانت نقطة التحوّل. كانت نهاية فريق شجاع، ونهاية طموحات نادٍ كان سيبدّل من تاريخه الى الأبد لولا تفاصيل صغيرة حرمته تحقيق ما حلم به منذ ولادته عام 1943.

في تلك الأمسية حالت ركلة جزاء معادة – ضائعة، ونقطة واحدة بين الحكمة ولقب الدوري اللبناني لكرة القدم الذي ذهب لمصلحة النجمة في موسمٍ لا يمكن نسيانه مهما جاءت مواسم مثيرة اخرى.

وفي تلك الأمسية، ظن كثيرون انها مجرد بداية الطريق الى المجد لفريقٍ بحث دائماً عن شخصية المنافس القوي على اللقب، الا ان المتابع عن كثب لأحوال النادي الاخضر ولما يدور في فلكه وللمعاناة التي كان يعيشها فريق الكرة فيه عشية كل موسمٍ جديد، عرف في قرارة نفسه ان الفرصة لن تتكرر. فرصة الفوز باللقب التي كانت ستغيّر من شكل الاهتمام بفريق كرة القدم في الحكمة، في وقتٍ كان قد بدأ يفقد فيه كل شيء لمصلحة فريق كرة السلة، الذي استحوذ على اهتمام كل من اراد استخدام النادي كمنصةٍ لحشد شعبية لأسبابٍ او لأخرى على رأسها الطموحات السياسية.
شيئاً فشيئاً سار الاهتمام بفريق كرة القدم في مستوى تنازلي، وابتعد او أُبعد من اكترث فعلاً له وعمل جاهداً لرفعه. ومع الوقت تأكد ان وجود فريق كرة القدم في نادي الحكمة اصبح عبئاً على القيّمين المتقاطرين لدعم النادي، في وقتٍ كان فيه هذا الفريق الاساس الذي اوجد نادياً اسمه نادي الحكمة.
بعد ظهر الاربعاء الماضي، اوصلتني صدفةٌ الى متابعة مباراة ودية بين النجمة والحكمة على ملعب الاول في المنارة. وهي صدفة اعادتني بالذاكرة الى 19 ايار 2002، لأستعيد المشهد القديم واقارن بين ما وصل اليه الناديان العريقان.
النتيجة كانت: النجمة بطل كما كان عليه قبل 12 عاماً، والحكمة فريقٌ يجمع لاعبين لم يجد غالبيتهم له مكان في الفرق الاخرى، فارتدوا القميص الاخضر على مضض.
لكن مهلاً، قد يبقى هناك بارقة امل بالنسبة الى الحكماويين. أملاً بالعودة لكل اولئك الاوفياء للنهج الذي سار عليه النادي منذ اليوم الاول لتأسيسه، وهو التجمهر خلف فريق كرة القدم قبل غيره.
بارقة أمل ببقاء هذا الفريق على قيد الحياة، تجدها في ثلاثي لم يستسلم رغم الظروف الصعبة: سمير نجم، وقائدا الفريق السابقان سهاد زهران وفؤاد حجازي، الذين يعملون بصمت في ظل ظروف متواضعة لم يعرفها فريق نادي الحكمة قبل اليوم، الذي اصبح فيه مشرداً من ملعبه المهجور، ومجرّداً من ابناء النادي الذين اعتاد تخريجهم، ومقتصداً في كل قرشٍ يدفعه ضمن ميزانية خجولة قد لا تتجاوز الـ 100 ألف دولار، الذي لا يرضى احد لاعبي الفريق السلوي بدء مفاوضاته بخصوص راتبه الموسمي من رقمٍ مماثل.
بارقة الامل تبقى رغم ايمان كثيرين بأن الفريق الكروي الحكماوي ميت، لكنه فاجأهم لانه ما زال يتنفس. بارقة الأمل تبقى رغم الزيارات النادرة والخجولة لأعضاء الادارة الى مباريات الفريق، الذي يقف في مركزٍ مؤهل للصعود في دوري الدرجة الثانية، ويترقب العمل على تفاصيل بسيطة ستضعه بين الكبار مجدداً، منها استذكار القيّمين على النادي بأن لديهم فريقاً لكرة القدم لا لكرة السلة فقط، والعمل على تعزيز صفوفه بلاعبَين أجنبيَين قد لا يكلفان، طوال ما تبقى من الموسم، راتباً شهرياً لأحد لاعبي السلة.
قد يأتي البعض ليقول بأن هناك من لا يريد صعود الحكمة الى الدرجة الاولى لانه سيتورط بميزانية يفضّل صرفها في كرة السلة، لكن ببساطة عودة الحكمة الى الاضواء قابلة للتحقيق اذا ما رسم الاولياء خطاً ابيض لها. عودة تطلبها الكرة اللبنانية في خضم رسمها لصورتها القديمة، التي لن تكتمل روعتها الا باضافة اللون الاخضر الحكماوي اليها.