«نبقى هنا طوال أيام السنة تقريباً، ولا ننزل من الجرد إلا عندما تغلق الثلوج الطريق نهائياً». هكذا يبرّر مصباح بكور، ابن بلدة بقرصونا، وجوده في منطقة جرد مربين في أعالي جرود الضنية صيفاً وأغلب أيام بقية فصول السنة ومنها الشتاء.

ففي وقت ينزل أغلب سكان الجرد منه، إلى بلدات بقرصونا وسير وجوارهما، مع بداية تساقط الثلوج على قمة جبل الأربعين (قرابة 2200 متر فوق سطح البحر)، المطلة على جرد مربين (نحو 1700 متر فوق سطح البحر)، يفضل مصباح بكور مع قلة من أبناء المنطقة قضاء أغلب أيامهم في الجرد، باستثناء أيام قليلة.

يرد بكور سبب تفضيله حياة الجرد، رغم قساوتها في فصل الشتاء، على قضاء أيامه في بلدته بقرصونا الواقعة عند أسفل جبل الأربعين، إلى عامل شخصي بالمقام الأول، «تعوّدت على الحياة هنا، عندما أغيب طويلاً عن الجرد أشعر بالضيق، خصوصاً عندما تتراكم الثلوج على الطريق وتقطعه».
في أرض تزيد مساحتها على 40 ألف متر مربع يملكها والده وأعمامه، بنى بكور بيتاً صغيراً مكوّن من طبقتين. الأولى موزعة بين مستودع وقاعة مفتوحة تستخدم للجلوس والسهر صيفاً، والثانية عبارة عن شقة صغيرة مكونة من غرفة جلوس كبيرة ذات طابع ريفي بسيط تتوسطها صوبيا تعمل على المازوت، وغرفة نوم وحمام ومطبخ يحتوى مونة من الطعام تكفي أياماً. في هذا المنزل الذي تلاصقه ساحة متوسطة الحجم تتوسطها شجرة لزاب كبيرة وأشجار جوز ومحاط ببساتين فاكهة متنوعة، يكشف بكور نيته «بناء طابق إضافي فوق المبنى، على أن تكون جدرانه بكاملها زجاجية».
الإقبال على جرد الضنية في الآونة الأخيرة بدا لافتاً،

المنطقة لا تزال
بكراً وتطوّرها
سياحياً يحتاج إلى
وقت طويل

سواء في جرد مربين الذي تربطه طريق بجرد الهرمل في المقلب الآخر من جبل المكمل، أو جرد النجاص الذي تربطه طريق ترابية بالقرنة السوداء، أعلى قمة جبلية في لبنان والساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.
وإذا كان الإقبال على جرد الضنية يكون صيفاً مضاعفاً مرات عدة، فإن الشتاء يجذب العديد من أبناء المنطقة ومن مدينة طرابلس والمناطق الساحلية القريبة، للفرجة والتنزّه على الثلج، أو للهروب من ضغط الحياة في المدينة، خصوصاً في عطلة نهاية الأسبوع التي تشهد فيه طريق الضنية ـ طرابلس ضغطاً كثيفاً لحركة المرور.
ومع أن جرد الضنية بات عامل جذب للمصطافين في السنوات الأخيرة، فإن أية مرافق سياحية وخدماتية لم تنشأ فيه، باستثناء بعض المرافق البسيطة التي بالكاد تستطيع صيفاً أن تستوعب الأعداد الكبيرة منهم، عدا عن البنى التحتية من طرقات ضيقة وعدم وجود مطاعم وفنادق ذات نوعية جيدة لجهة الخدمات التي تقدمها، ما يجعل المنطقة عموماً غير مؤهلة لاستضافة السياح والمصطافين على نحو مثالي.
يوضح زياد الشقيق في هذا السياق أن «المنطقة لا تزال بكراً، وتطوّرها سياحياً يحتاج إلى وقت طويل، لكنها تتطور زراعياً لجهة زيادة اهتمام الأهالي بأراضيهم وتحديداً بعد تزفيت الطريق المؤدية إلى الجرد منذ سنوات قليلة، ما جعل إنتاج مزارع جرد مربين من الخضر والفاكهة يزداد، وهو ذو نوعية ممتازة لأن مياه المنطقة لم تلوّث بعد وأكثر المزروعات فيه عضوية، ما يجذب آلاف الزبائن صيفاً لشراء حاجياتهم الزراعية».