لم يكتمل شمل الجيران حول دست الهريسة في ساحة الحسينية في كفررمان نهاية الأسبوع الفائت. الحاجة أم علي وجارتاها فاطمة وسميرة لم يلتحقن بركب السواعد التي تحرك في القدر في إطار الوليمة التي يتجمع حولها الأهالي في أواخر أيام عاشوراء من كل عام. افتقدهن الجمع. ففي السنوات الماضية، كانت الجارات تكرجن سيراً على الأقدام من حي «التابلاين» أو من السويداء، نزولاً إلى الشارع الرئيسي. لكن السبل تقطعت بهن هذا العام.


فالطريق الفرعية التي كن يسلكنها بين البيوت قطعها أوتوستراد، فاصلاً الجهة الشمالية للبلدة إلى قسمين. يربض الأوتوستراد بثقل على قلب الهضبة المطلة على الساحة والقسم القديم للبلدة. كأنه جدار فصل باعد بين الجيران وبات يجبرهم على الاستدارة دورة طويلة حول أطراف البلدة ليتصلوا مجدداً. عبء أثقل أجساد المسنّات اللواتي يكدن يتمسكن بقليل من الهمم للسير مسافة قليلة. كن يشددن العزم ليزرن بعضهن بعضاً ويقضين واجباتهن الاجتماعية ويؤمنّ أغراضهن من دون انتظار أحد لنقلهن بالسيارة. لكن هذا كان من تراث الماضي. الدولة قضت بتغيير عاداتهن وشق صفوف الأهالي وعزلهم بعضهم عن بعض إلا من استطاع سبيلاً بالسيارة أو امتلك الهمة للتنقل مشياً مع كثير من الوقت. وإلا فإن الأوتوستراد يؤسس برأيهم لجفاء يشوّه العادات المجتمعية التي حفظتها كفررمان.

يحمل الأهالي
همّ سهل الميدنة الذي كان ممراً
إجبارياً للعابرين


قبل أقل من عامين، قررت وزارة الأشغال العامة ومجلس الإنماء والإعمار منح المنطقة هدية تعويضية عن الحرمان المزمن الذي عاشه أهلها. والتعويض برأيهما، تسعة مليارات ليرة كدفعة أولى لتنفيذ الجزء الأول من أوتوستراد النبطية – مرجعيون الموضوعة خططه منذ الستينيات، مستحدثاً خطاً سريعاً بالاتجاهين يبدأ من مدخل كفررمان عند مثلث النبطية ويصل حتى بلاط (قضاء مرجعيون)، مروراً بسهول وأودية الخردلي. الدولة وجدت أن الأوتوستراد تعويض عن الحرمان التنموي. لكن أبناءها في كفررمان يرفضون الهدية لأنها تحرمهم من بعضهم البعض. هناك، شق الأوتوستراد أحياءها الداخلية ودهس عدداً من بيوتها وفرّق جيران السنوات الطوال. مرّ فوق البيوت والحقول والذكريات، ويكاد يقترب من الجبانة الجديدة التي كان لقبورها أن تتمدد باتجاه الأوتوستراد.
يعتبر حسين نفسه متضرّراً برغم أنه لا يقيم في حي الأوتوستراد. يستغرب أن المخطط الذي وضع قبل أربعين عاماً «ما خلصت مدته مثل كل شي». يستذكر أن التخطيط استهدف الجهة الشمالية للبلدة عندما كانت هضبة جرداء قبل سنوات من الاجتياح الإسرائيلي. الاحتلال وتأجيل صرف الموازنة المالية للمشروع، طيّرا تنفيذه حتى إشعار آخر. يتساءل حسين إن كانت الوزارة قد تنبهت إلى أن خراج البلدة تحول إلى بلدة ثانية. فالقيّمون لم يدخلوا أي تعديل عليه بعد كل تلك السنوات.
تكبر المخاوف بين الأهالي من تداعيات الأوتوستراد. يرفضون اتهامهم بالمبالغة واستخفافهم بالمشروع ــ الإنجاز الذي يفاخر به كل من البلدية ونواب المنطقة. «من النبطية إلى حاصبيا بثلث ساعة». يقولون إن السرعة ستنسحب على كل شيء. ليس على وتيرة الحياة الاجتماعية والتواصل بين الأهالي فحسب، بل على مرور العابرين من النبطية نحو مرجعيون وحاصبيا.
هؤلاء سيتحكم الأوتوستراد بوجهتهم. يحرمهم من المرور داخل كفررمان، ما قد يقلص من الحركة الاقتصادية في محالها ومطاعمها. الأهالي يحملون همّ سهل الميدنة. كانوا يفاخرون بأن العابرين ينتقلون إلى مرجعيون من السهل حيث الخيرات التي تبسط يدها، فلا يقاوم العابرون مصافحتها. يركنون سياراتهم ويستريحون بين السواقي والمقاهي الصغيرة وبسطات الخضر.
تشغيل الأوتوستراد سيحدد وجهة سير العابرين ويحاصر أهواءهم في التوقف هنا وهناك. لا تنحصر المخاوف هنا. يخشون على أطفالهم وعجائزهم من محاولة قطع الأوتوستراد من جهة إلى أخرى، كما كانوا يقطعون الحي سيراً على الأقدام. والخط السريع يجذب الاستثمارات. فأهلاً بمزيد من المشاريع السكنية ذات الأبنية المتراصة التي أقحمت الشقق المنعزلة في ضيعة كفررمان.




هريسة الأربعين

تزول الفروقات بين أهالي البلدة الواحدة، عندما يتفقون على إحياء عمل جماعي تحوّل طقساً مع مرور السنوات. هذا ما حصل في بلدة كفررمان، التي باتت على موعد سنوي مع طبخة الهريسة إحياء لذكرى أربعين الإمام الحسين. وقد تكون واحدة من المرات القليلة التي يجتمع فيها كل أهل القرية. يذكر أن طبخ الهريسة الجماعي عادة باتت منتشرة في أكثر من قرية جنوبية.