كان من المفترض ان تلتقي زاوية «خط أبيض» مع الملف الذي يعالجه الملحق اليوم، لكن لم يكن بالامكان المرور على وفاة عملاق الرياضة اللبنانية انطوان شارتييه دون وقفة ستكون حاضرة من دون شك في كل محفلٍ رياضي وفي كل كلمة حق رياضية من الآن وصاعداً.


بالنسبة الى اهل الرياضة فان رحيل «المعلم» شارتييه هو صدمة بحجم تلك الصدمة الوطنية التي عرفها المجتمع الفني خاصةً واللبناني عامةً وتمثلت برحيل الفنانة صباح والشاعر سعيد عقل قبل اسابيع. ورحيل شارتييه لا يمكن ان يكون اساساً مجرد خبرٍ مرّ في صفحاتنا اليومية لانه حتى في موته ترك رسالة لنا يفترض الاتعاظ بها لبلوغ اعلى درجات المنصة التي اعتاد حمل الابطال اليها.
وفي جمعه للعائلة الرياضية وحتى الوطن ترك شارتييه لنا وصيته الاخيرة. وصية قد لا يقرأها الا المؤمن بها او الواعي على حقيقة الحياة والموت الذي لا يمكن صدّه.
في مأتم وحفل تأبين شارتييه كان يمكن قراءة اشياء كثيرة في الوجوه. قراءة الحزن في الدموع التي تسكن العيون. قراءة الذهول المترافق مع صدمة ذاك الخبر البشع الذي نقل الينا وفاة العملاق الراحل. قراءة الوفاء في حزن جهاد سلامة الذي حمل مع شارتييه دائماً أمانة احقاق الحق وتغليبه على الباطل.
هناك في مدينته «مون لا سال» و«قصره» الرياضي، أبى شارتييه الا ان يترك لنا رسائل اخيرة لاتباعها من اجل بلوغنا مثالية عاشها يومياً في عمله التربوي والرياضي، ما افرز محبة لا حدود لها عند كل من عرفه وحتى من لم يعرفه عن كثب، وقد تُرجمت في الحشد الذي سار خلف نعشه في يوم وداعه. وفي هذه المحبة اولى رسائله او وصاياه الاخيرة بأن الرصيد الباقي للانسان بعد رحيله عن هذه الدنيا هو محبة الناس له، وكلمات المترحمين عليه التي لن تسقط على اصحاب الأذى في يوم رحلتهم الاخيرة.
جمع هذه المحبة اهم من جمع الاموال او المناصب التي بلغ الراحل أسماها. لقد وصل شارتييه الى اعلى المناصب والى كل ما يطمح اليه اي ناشطٍ في المجتمع الرياضي، وسيكون شبه مستحيل على ايٍّ كان ان ينسخ ما فعله الرجل طوال مسيرته المجيدة.
بطبيعة الحال، لا احد منا هو شارتييه، أقله في الخط الأبيض الذي رسمه طوال مشواره المشرّف، لكن في النهاية كان القدر اقوى من سلطة اي منصب.
هي وصية أخيرة لا بل رسالة الى المتلهين بالقشور، والى اللاهثين خلف مناصب فانية، او مناصب هامشية يملأون من خلالها فراغاً افرزته عقدٌ مزمنة.
لن يكون أحد انطوان شارتييه جديداً، ولن يكون احد اقوى مما كُتب له، ولن يأخذ معه اي منصب مهما كان كبيراً في نظره.
رسالةُ شارتييه ووصيته كانتا موجّهتين الى شريحة كبيرة تقاتلت وتخاصمت في الأمس القريب، وكانت حاضرة هناك في باحة كنيسة مدرسة «فرير مون لا سال»، وفي قصر الرياضة. ورسالة توجّهت ايضاً الى المسيئين لأنفسهم قبل غيرهم بتناول الآخرين بكلام نميمة مضاد لكلام الحق في يوم رجل الحق وضمير الرياضة.
الوصية الاخيرة مفادها بأنه ليس للكفن جيوب، والموضع الاخير سيكون من خشب لكن لن يكون كرسي احد المناصب.
قال الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الدنيا الفانية وحقيقتها: «يا أهل الغرور ما ألهجكم بدار خيرها زهيد وشرها عتيد ونعيمها مسلوب ومسالمها محروب ومالكها مملوك وتراثها متروك».