ديكور ضخم وموسيقى صاخبة وكرسي فارغ ينتظر مجيء «الملك» ومقدّم من «الطراز الأول»، اختير بعناية فائقة، ليقدّم ضيف ليلة العمر. إنها ليلة رأس السنة. تلك التي نستعيد فيها المشهد نفسه... والضيوف أنفسهم الذين يحتلون الشاشات منذ سنوات طويلة. تحديداً، منذ بدأ «نوستراداموس» حايك توقعاته.

في الليلة المرتقبة، ينشغل اللبنانيون عن كل شيء، ويتسمرون إلى الشاشة منتظرين المنجمين. يقلّبون من محطة إلى آخر لمتابعة ما سيقوله هؤلاء.

البعض يُقنع نفسه بأنه يشاهدهم لمجرّد التسلية، فيما البعض الآخر ينصت بتمعن إلى «إلهام» المنجم... مع الحرص على تدوين ما سيقوله هؤلاء. هكذا، تلعب الشاشات لعبتها. تزيد مشاهدتها على حساب عقول الناس. هؤلاء الذين ربطوا جلّ حيواتهم بـ«الذبذبات الكونية».
ولكن، هل يلتفت الناس بعد تلك الليلة لتلك التوقعات؟ هل يسجلون على الورقة نفسها ما الذي تحقق وما الذي لم يتحقق؟ على ما يبدو أن لا أحد فكر، ولكن لا مانع من «اللعب» قليلاً. فلنأخذ مثلاً سمير طنب، العالم الروحاني... على «ذمته» طبعاً.

طبيب روحاني حضرتك؟

في ليلة رأس السنة الفائتة، خرج سمير طنب بجملة توقعات «بتهدّ الأسد»، كما يقال. وكعادته، جلس الملك على كرسيه وغرق لدقائق طويلة في الصمت، ناظراً إلى... سقف الإستديو، وكأنه يتلقى الإلهام للتو. يبقي نظره مصوّباً إلى فوق ويسرد توقعاته. العام الماضي مثلاً، تنبأ هذا الروحاني بـ «انفجار ضخم في حرم مطار بيروت الدولي»، لم يحدث إلى الآن. بقي انفجاراً صوتياً. كذلك الأمر بالنسبة لتوقّعه عن انتخاب رئيس الجمهورية في مطلع العام، أو تراجُع الخطر في عرسال بعد أن يُسلّم رئيس البلدية مطلقي النار إلى الجيش اللبناني.

انتهى العام ولم يأت الرئيس ولم يسلّم
«علي بو عجينة» مطلقي النار


صدقت ليلى عبد اللطيف في بعض
الأماكن منها مثلاً «انتخاب مفتٍ جديد»



ووصل به الإلهام إلى حدّ توقّع تعرّض المنطقة المحيطة بقصر بعبدا لقصف صاروخي قبل انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان، و هي نهفة طبعاً. أما النهفة الكبرى، فهي توقّعه اشتعال حرب أهلية سنية ـ شيعية في مناطق عدة! أما ما «صدق» به المنجم فهو «تعرّض لبنان لسخونة على الحدود اللبنانية ـ الاسرائيلية، تبقى تحت السيطرة في مراحل عدة من السنة»، علماً أن هذا التنبؤ يحدث دائماً على الحدود هناك ولا يحتاج لإلهام سمير طنب.

المنجمة الإقليميّة

تستمر الجولة. بعد سمير طنب، يأتي إلهام ليلى عبد اللطيف «الربّاني» الذي وصل إلى فضاءات عربية. استحال الإلهام «إقليمياً» ولم يعد محلياً. أما عن توقعاتها اللبنانية، فقد تنبأت نجمة «التاريخ يشهد» بوصول «العماد قهوجي إلى سدة الرئاسة وعودة زياد بارود إلى وزارة الداخلية واستحالة عودة الرئيس سعد الحريري في المدى المنظر إلى لبنان». مع ذلك، فاجأها الرئيس الحريري بزيارة خاطفة وخيّب قهوجي أملها في الرئاسة.
أما عربياً، فقد توقعت «الربانية» أن «الشعب السوري سينتصر والحق على الباطل في سوريا في غضون أشهر». هنا، يفترض أن تكون «غضون أشهر» من ضمن روزنامة العام الماضي. هذا ما يقوله المنطق. أما على ذمّة عبد اللطيف، فقد تكون لـ500 سنة المقبلة، كما حال توقعات نوسترادامس على كل حال.
توقعت «الربانية» أن
«الشعب السوري سينتصر والحق على الباطل في سوريا في غضون أشهر»


رأى صاحب الضفيرة
الطويلة النائب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية، على أن يليه بعد فترة قصيرة النائب سامي الجميّل



مع ذلك صدقت ليلى عبد اللطيف في بعض الأماكن، منها مثلاً «انتخاب مفتٍ جديد» و»الإرهاب يستهدف الجيش والشعب والمقاومة ولكنه لن ينال مراده» و «مايكل شوماخر في خطر» و»خروج مبارك من السجن». ولكن، مهلاً، هل كانت تحتاج هذه الأمور إلى إلهام؟

أوباما ينجو من ميشال حايك

ما يميز ميشال حايك عن غيره من المنجمين أنه يعطي فترة عام ونصف لتنبؤاته، أي أن ما يطلقه ليلة رأس السنة يبقى مفعوله سارياً حتى عام ونصف. وهذه ميزة نوستراداموس عصره. أما ميزته الأخرى، فقوله إن «ما يفعله مجرّد توقعات، يمكن أن تحدث ويمكن لا». ومع ذلك، يفتح الهواء له ولأمثاله. لا يهم الاستخفاف بعقول الناس، المهم حصد مشاهدة أكبر.
وبغض النظر عما تحقق من تنبؤات حايك، يبقى ما لم يتحقق هو «الأهضم»، خصوصاً إن كان على نسق «إطلاق النار على الرئيس الأميركي باراك أوباما» أو «الإرهاب يضرب في قلب أميركا» أو «انتخاب رئيس جديد للجمهورية». ولهذا، نطمئن حايك أن أوباما في بيته الأبيض الآن يحتفل مع زوجته ميشيل بليلة رأس السنة وأميركا أيضاً. أما رئيسنا نحن، فـ»اللعوض بسلامتك» هذا العام... إلا إذا كان الرجل يبني على الأشهر الستة من العام المقبل.

مايك فغالي بغلاغل

العام الماضي، شرد مايك فغالي... في «السقف». بعد دقائق، أتاه الإلهام، فقال «أرى عائلة الرحباني في مستشفى وأتمنى من فيروز الانتباه إلى معدتها وكبدها». اليوم، وإن كان الرحابنة لم يجتمعوا في مستشفى ـ والحمدلله ـ أفكّر ما إذا كان مايك فغالي، عندما نظر إلى فوق قد رأى كبد فيروز في توقعاته وأسأل نفسي هل رآه محاطاً بدائرة حمراء؟ العلامة التي نتخيلها والتي تشير إلى مكمن الخطر.
ومن فوق أيضاً، رأى صاحب الضفيرة الطويلة النائب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية، على أن يليه بعد فترة قصيرة النائب سامي الجميّل. وهنا، إن كان الكل ارتكب فضيحة بالقول إن عام 2014 يحمل رئيساً للجمهورية، فإن مايك فغالي قد ارتكب «فضيحة بغلاغل» عندما وصل إلى حد تحديد اسم الرئيس.
وبعيداً من توقعاته، يرفض مايك فغالي تسمية ما يقوله ليس مبنياً على «رؤيا أو إلهام وإنما على علم نسميه علم الأرقام ونستطيع من خلاله توقع الأحداث». ويأسف أنه «في العالم العربي لا يهتم الناس لهذا العلم، فكل ما يهمهم هو الزواج وفك السحر والكتيبة (نوع من السحر أيضاً)». هذا الرجل، الذي يأسف لعدم تقديره، استعانت به هيومن رايتس ووتش كمستشار لها، إضافة لانتخابه في عضوية مجلس التعاون العربي!