أن يقول المبعوث الدولي الخاص الى سوريا، ستيفان دي مستورا، إن «الاسد لا يزال رئيسا، وإنه جزء من الحل، وإن جزءا كبيرا من سوريا لا يزال تحت سيطرة الحكومة»، فهو بذلك يتوج الحملة الدولية غير المباشرة لتبرير التراجع الدولي عن فكرة تنحي او اسقاط او قتل الرئيس السوري. الأسد جزء من الحل، يعني بلغة أقل خجلا، ان الأسد وحلفاءه صاروا الحل.


هذا يعني أيضاً وخصوصا أن الاتفاق الايراني الغربي ربما يمضي بأسرع مما يعتقد خصومه. ويعني ثالثاً ان اميركا ومعها الاطلسي تركا المعارضة السورية، المعتدلة وغير المعتدلة، على قارعة الطريق تنشد شيئاً من فُتات التسويات الكبرى، التي لا تأخذ عادة في الحسبان حجم الدمار وعذابات الشعوب ودماء الأبرياء.
واذا كان ثمة من يُصر على التشكيك في هذه النهايات، فاليكم بعض المعلومات:
• في 2 شباط /فبراير الجاري، قدم ديمستورا مداخلة أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الاوروبي. خلاصة ما قاله : «لا بد من دور للاسد في مستقبل سوريا يتفق عليه الشعب السوري لأن الاسد يمثل او يسيطر على 50 بالمئة من الشعب السوري». قال أيضاً: «لا بد من حكومة وحدة وطنية تعمل على تعديل الدستور واجراء انتخابات». وحين قيل له ان ثمة اطرافا في المعارضة لا تثق بالأسد، أجاب على نحو واضح: «ان ثمة مشكلة في انعدام الثقة بين جميع الاطراف».
وتابع: «لا بد من طمأنة الاقليات بشمولها بالحل السياسي، وحماية مؤسسات الدولة، وخصوصاً الجيش في المستقبل السوري. ولا بد من تأييد مساعي القاهرة لأن لها علاقة مقبولة مع النظام السوري، كما انها على تنسيق مع السعودية التي تنوي جمع المعارضة في نيسان/ ابريل المقبل».
كرر دي مستورا التأكيد على دور القاهرة، برغم نُصح بعض سامعيه من المسؤولين الاوروبيين بضرورة «الحذر لكون اجتماع القاهرة استبعد الاخوان المسلمين وكافة الاطراف المرتبطة بها، كما ان الدور المصري سيؤدي لانزعاج الجانب التركي، ما قد يعقّد المبادرات»، لكن المبعوث الدولي بقي عند موقفه واضاف اليه ضرورة دعم الجهود الروسية أيضاً، والأهم انه نوه بالدور الايراني واهميته قائلا بالحرف: «ايران مهمة وحضورها واضح في سوريا، وان تدخل حزب الله في سوريا قلب المعايير، وبالتالي فلا سبيل للحل من دون مشاركة ايران وتركيا والسعودية اقليميا، وبدون مشاركة روسيا والولايات المتحدة دولياً». وتطرق دي مستورا الى ضرورة ادخال بعض التعديلات على جنيف 1، ما يعني، لمن يريد ان يقرأ بين السطور، انه لن يكون مساس جوهري بالصلاحيات الرئاسية، لان القيادة السورية الحالية ترفض قطعياً هذا الأمر.
حصل دي مستورا على التحرك باسم الامم المتحدة. اي باسم العالم. وباسم هذا العالم قال ما قاله عن الاسد. لم يعترض أحد.
• معروف ان الاتحاد الاوروبي اقر مليار يورو للازمة السورية لعامي 2015 و2016، يريد دي مستورا ان يخصص جزءا كبيرا منها للمصالحات وتجميد القتال، ان لم يكن في حلب، فحيث ينجح ذلك، واعادة جزء من النازحين. هذا لن يجري بلا القيادة السورية. أدرك ذلك، وتفادى صدمة الاخضر الابراهيمي.
• الملاحظ ان كلام دي مستورا، توج سلسلة من التصريحات الغربية، وعشرات المقالات في أبرز الصحف الاميركية، ومقابلتين مع الأسد في «فورين افيرز»، و «بي بي سي». ما كان لمثل هذه الهجمة الغرامية الاعلامية بالرئيس السوري ان تحصل لولا قرار سياسي كبير يريد اعادة تلميع الصورة. هذه الصحف نفسها كانت طيلة 4 سنوات تنعته بالدكتاتور الآيل للسقوط.
• الزيارة المهمة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى القاهرة، حملت في طياتها، وفق ما تسرب عنها، اتفاقا شبه أكيد على ان مصر وروسيا مقتنعتان تماماً بأن لا حل في سوريا بلا بقاء الجيش السوري قويا، ولا بقاء للجيش والمؤسسات قويين بلا بشار الأسد، لأنه ببساطة لن يتوافر أي بديل، ولأن الجيش الذي يقاتل ارهابا منذ 4 سنوات تفوق هو وحليفه حزب الله على كل الجيوش الاخرى، بما فيها الدولية، في مواجهة حملة عسكرية ومالية واعلامية وارهابية شرسة خيضت ضدهما على مدى السنوات الاربع الماضية.
• كل ما تقدم حصل في ظل 4 تطورات مهمة في المنطقة: اولاً، تغيير في السعودية ترافق مع قصف زهران علوش لدمشق، فكانت الرسالة واضحة. لم يقابلها وضوحاً الا سيطرة انصار الله الحوثيين على مفاصل القرار اليمني. وثانياً، تقدم سريع للجيش السوري وحزب الله في الجبهة الجنوبية بعد عدوان اسرائيل على القنيطرة والرد عليه من الحزب. وثالثاً، اعلان مرشد المقاومة اللبنانية الأمين العام حزب الله السيد حسن نصرالله كسر قواعد الاشتباك مع اسرائيل إذا اعتدت، وتهديده إياها بالرد في اي مكان وزمان تريده المقاومة. ورابعاً، فتوى من مرشد الثورة الايرانية السيد علي خامنئي تسمح للشباب الايراني بالقتال الى جانب اخوتهم في سوريا والعراق ولبنان.
المتحمسون جدا يقولون اننا امام مرحلة المواجهات الكبرى في المنطقة. العاقلون أكثر، وفي مقدمهم ايران نفسها، يعرفون ان مرحلة انهاء «داعش» في العراق قد لا تطول. سنشهد قريبا تطورات بارزة. يعرفون ايضاً ان المرحلة القريبة المقبلة ستكون لانهاء الارهاب على الارض السورية، من ريف حلب الى الرقة ودير الزور بعد الانتهاء قريباً من الجبهة الجنوبية.
يبدو ان الاتفاق الايراني ـــ الأميركي يمضي، وان الاضواء الخضراء ستُضاء في أكثر من مكان لتقدم عسكري في أكثر من مكان. اللهم الا اذا كانت هستيريا اسرائيل تريد شيئا آخر...
يجب ان ننتبه جيدا الى ما قاله نائب الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم: « الحمدلله سقط مشروع الشرق الاوسط الجديد، لذا اليوم اللاعبون الدوليون وعلى رأسهم أميرکا مرتبکون». حين تصبح ايران خشبة الخلاص من هذا الارتباك، ويصبح الجيش السوري وحزب الله خشبة النجاة من «داعش» والارهاب، يستطيع دي مستورا ان يبتسم وهو يقول في النمسا: «الاسد جزء من الحل». قريبا سيقول: «الاسد هو الحل».
لا اخلاق في السياسات الدولية ــــ المصالح هي الأساس ــــ ولا يثبت سوى الاقوياء. هل لا يزال احدكم يسمع بالاصلاحات في سوريا؟؟