المكان المفضّل للصق النعوات


في أي مكان. على جدران البيوت، في الأزقة المتفرعة عن الشوارع الكبرى، بشرط ألا تكون فوق النعوات القديمة. ابتعد عن الأماكن العامة، النعوات تحتاج أمكنة حميمة. دع نعوات الشهداء تتجاور، لتتحادث الصورة مع الصورة، والمصير مع المصير. بعض الناس، الأخوة الذكور خصوصاً، يحتفظون بنسخة عن ورقة النعوة بين الأوراق الكثيرة التي تضم شهادات تثبت أنهم صاروا وحيدين.

في الأسواق، أيضاً، قد تلصق نعوة على عربة خضر متوقفة قرب أطعمة الفقراء، على الزجاج الخلفي للسيارة، على جدار نصف متهدّم، قرب نافذة مخلعة، وقد يكون مناسباً أن نضعها على باب البيت، كأنها ترحب بالقادمين، بحملة مشاعر التضامن المرّ. النعوة تريد مشاهداً لا يبكي، تريد مشاهداً حيادياً، يتخيل صورته بدل صورة صاحب النعوة، ثم يفرّ هارباً باتجاه الحياة.


المكان المفضّل لوضع صور الشهداء

في الصالون أولاً، ويصحّ أن تضع لها إطاراً خشبياً فوق السطح الزجاجي، لتثبّت في الزوايا صوراً أصغر للشهيد وهو طفل، أو وهو يقفز في النهر كسمكة ضالة، أو وهو يفك الغلاف عن هديته الأولى الثمينة: سيارة تعمل على الريموت كونترول، أو دراجة لامعة، أو كرة قدم حقيقية، وربما على غطاء المحرك لسيارة قديمة. تستطيع أن تضع صورة مطبوعة على ورق قماشي، وعلم في الخلفية، وربما عبارة أو اثنتين عن التضحية والبطولة. البعض يضعون صوراً كبيرة تمتد من الشرفة الثالثة حتى المدخل، وفيها تبدو الابتسامة بحجم شمس كبيرة، والعيون بحجم نجمتين لامعتين. أما الصور الصغيرة، المأخوذة عن صور الهوية الشخصية، وصورة الهوية العسكرية، أو صورة دفتر العائلة، التي يبدو فيها زغب الشارب ناعماً وخفيفاً، فتلك أتركها لمحافظ الجيوب الخلفية، ولحقائب الأمهات الصغيرات. بعض الأخوات يقمن بنسج صورة على «الكنافا»، ويتألمن وهن يغرزن الإبر المفلطحة الرأس في ما يفترض أنه وجنة الأخ، لكن النتيجة قد تكون سارّة، إذ غالباً ما تتورد الوجنة من قطرات الدم، النازفة من الأصابع الدقيقة.


المكان المفضّل للدفن

في المدن الكبرى يوجد مقبرة للشهداء. يجمعونهم في مكان واحد، ربما تسهيلاً للأعمال الإدارية التي تقوم بها البلديات، وربما لئلا يشعر الشهداء بالضجر، ليتسامروا في الليالي، عندما يكف الزوار عن القدوم ويرحل المقرئون، يجتمع الشهداء قرب قبر رطيب بني حديثاً، ويتساءلون عن آخر الأخبار الواصلة، أخبار الجبهات المشتعلة، والخيانات الجديدة، ثم في آخر الحديث، يتنهدون ويبدؤون بالغناء. لذا يجب أن تترك مقابر الشهداء مفتوحة الأبواب، فلربما احتاج أحدهم أن يزور بيته، أو أسرته الحزينة، ليربّت بكف متهالكة السلاميات، ظهورَ اليتامى النائمين، ويطمئن الوالدة المتعبة على المصائر الغامضة.
وثمة من يضع القبر قرب مكان مميز في القرى البعيدة، ذلك بشرط أن يسامره باستمرار. يختار تلة متوسطة الارتفاع بشجرة وحيدة تظلل الرخام الأبيض، وصحناً فخارياً صغيراً لحرق البخور، وربما حفرة صغيرة لوضع أعواد الريحان. في الليل، عندما يستبد الشوق بالشهيد يخرج من حفرته، وينظر من عليائه إلى القرى الوادعة، ويدندن، بصوت خافت، آخر أغنية كانت على لسانه.
لكن هذا كله لمن عادت جثته، لمن حالفه الحظ وعاد قطعة واحدة. ماذا عن الشهداء المفقودين، والمبخرين بفعل الانفجارات الضخمة؟ هؤلاء ادفنوهم في البال. ادفنوهم في الأجنّة الجديدة، في الأنساغ الحية لشجر الزيتون، في برتقال الساحل الحزين، في الأسماء والنعوت.


المكان المفضّل لإقامة العزاء

حَزِن همّام عندما قام أصحاب الأرض الفارغة، في حارتنا، بتسليمها لمتعهد لإقامة بناء عليها. قال: عندما أستشهد أين ستنصبون الخيمة؟
أغلب الحارات الفقيرة لديها تلك الفسحة، التي تصلح لوضع الخيمة الكبيرة تلك. الخيم الكبيرة مخصصة للرجال والبيوت للنساء، ذلك افتراضاً أن البكاء، الذي هو خاص بالنساء، يجب أن يحصل بعيداً عن الأعين. لكن البكاء، اليوم، في كل الأماكن، والدمع يجري مثل أرنب مذعور في كل مكان. في الريف الفقير يوجد فسح جميلة، ويوجد دوماً شبان متطوعون لنصب الخيمة تلك. لا تطلب معونة أحد، سيحضرون من تلقاء ذاتهم، سينصبون الخيمة، ويحفرون القبر، ويعلقون النعوات، ويضعون أيديهم السميكة على كتفك حين تشهق بالبكاء، أو يسيّلون الدمع كثيفاً حين تعجز عن ذرف الدموع، لا تطلب، لا تسأل، سيحضرون فوراً ما أن تظهر عليك تلك المسحة الخفيفة من الإحساس بالفقد، ما إن تقف وتنظر باتجاه السماء.

المكان المفضّل للبكاء على الفقيد

لندع جانباً هذا الكلام الفارغ عن البطولة والصمود والأعين الجافة. البكاء حاجة إنسانية، يجب أن تبكي لتستطيع أن تضحك. الشهداء يرغبون في رؤيتنا حزناء على غيابهم، لذلك ابكِ، ابكِ كما لو أنك لم تفعل من قبل، ابكِ كما لو أنك ستموت بعد عشر دقائق.
أحياناً غرفة النوم مكان جيد للبكاء، حين يذهب الجميع إلى أعمالهم، أو مشاغلهم الخاصة، أو الطاولة البلاستيكية الخفيفة في المطبخ، قرب كوبه المفضل، أو صحن أرزه الباقي من عشاء قديم. أما إذا كان الوقت ليلاً فشرفة معتمة، في زاوية قصية منها، ضع وجهك بين كفيك، وأطلق لعينيك العنان. أما إذا كنت في الخلاء، فقرب شجرة، أعلى التل، اجلس في ظلها، واحتضن جذعها الخشن، ستجده ناعماً كجلود الأطفال، هناك تستطيع أن تبكي بلا نظرات لوم، وقد يكون لدمعك السخي، لمرّة واحدة، فائدة غير التخفيف عن ضيق صدرك، فلربما تسقط من عينك دمعة على التراب العطش، وإذا كنت محظوظاً كفاية، نبتت هناك زهرة برية تستطيع أن تطلق عليها اسم شهيدك الأخير.