مثّلت الحرب في سوريا فرصة ذهبية لعدد كبير من الطامحين نحو الدخول في عالم «الصحافة»، ممن لم يتعلّموها أكاديمياً على مقاعد الجامعة، أو كسبوا خبرة خلال عملهم في مؤسسات إعلامية. وأتاحت لهفة الجمهور إلى معرفة جميع التفاصيل في أسرع وقت ممكن، ظهور العفوية في أسلوب نقل الصورة والمعلومة من قلب الحدث. ويشرح الصحافي نبراس مجركش، الذي بدأ قبل الحرب كأحد نماذج «صحافة المواطن» من خلال تأسيسه صفحة على «فايسبوك» تهتم بالتراث الدمشقي وترصد العادات والتقاليد السورية، في حديثه إلى «الأخبار» أنه «مع اندلاع نيران الحرب تابعت نشر جولاتي المصورة في مدينة دمشق، فوجدت أن لها وقعاً خاصاً لدى متابعي الصفحة، وخاصة المغتربين»، وهو ما دفعه إلى العمل بشكل أوسع و«تكثيف الجولات المصورة ومتابعة الأخبار، ونفي الكاذبة منها بالطريقة نفسها (ناشط مقابل ناشط)». وقاده نشاطه الصحافي إلى العمل كمراسل لدى عدد من الوسائل الإعلامية، وخضع لدورات تدريبية في المركز الإخباري في التلفزيون السوري، وهنا يشير إلى أن «مرحلة التدريب الأولى اقتصرت على كيفية التقاط صورة تناسب شاشة التلفزيون، ثم التدريب على الظهور على الهواء هاتفياً بصفة ناشط ومواطن من قلب الحدث، لنقل ما أشاهده مرفقاً بالصور التي كنت أرسلها». بدأت فرصته الحقيقية، مع قدوم لجنة «المراقبين العرب» إلى سوريا نهاية عام 2011، للتقصي عن الحقائق، إذ تم اختياره ضمن الفريق الإعلامي المرافق للمراقبين، فكان أول من صوّر المسلحين داخل مدينة دمشق في منطقة الميدان وفي قدسيا في ريف دمشق».

ومع تطور الأحداث الأمنية، كان من أوائل الواصلين إلى قلب الحدث في مدينة دمشق، ليبدأ في عام 2012، العمل بشكل رسمي مع تلفزيون «الدنيا» فكان «المراسل الحربي الأول لديها»، بعدها تلقى التدريبات والدورات الخاصة بالإعلام وفن الإلقاء وكتابة نص للصورة، حتى أصبح يعمل اليوم مراسلاً ومعدّ برامج لقنوات عربية ومحلية عدة.

«يوميات قذيفة هاون»

يعدّ موقع «يوميات قذيفة هاون» ــ أكثر من مليوني متابع لصفحته على «فايسبوك» ــ من أهم المواقع الإخبارية التي تعتمد على «صحافة المواطن» في سوريا. ويشير الصحافي ماهر المؤنس، وهو أحد المشرفين عليه، إلى أن زيادة الأحداث المتعلقة بالأزمة عموماً، وبقذائف الهاون في دمشق ومحيطها خصوصاً، «جعل الكادر الإعلامي المسؤول عن الموقع غير قادر على تغطية هذا الكم الكبير من الأحداث»، موضحاً أن الاتجاه تحوّل نحو «الاعتماد على الناس العاديين كمراسلين صحافيين غير محترفين، كل منهم في مكان وجوده، يقوم بنقل المعلومة والصورة في لحظة حدوثها، ويتم تحويل تلك المعلومات إلى أخبار صحافية تحت إشراف فريق إعلامي متخصص أكاديمياً». ويرى أن «صحافة المواطن انتشرت كنتيجة الحاجة إلى إعلام بديل، يسمى (إعلام الظل)، إلا أنه في الواقع (إعلام النور)، لأنه قادر على أن يسبق كل الوسائل الإعلامية الأخرى الرسمية والخاصة، كونه أكثر مرونة وتفاعلاً مع الجمهور، ويتميز بالسرعة والصدقية»، مضيفاً في الوقت نفسه أن هذا الأسلوب قد يحمل أخطاء «ناجمة عن قلة الخبرة».

وليدة الحرب وقلة الثقة

يشير الإعلامي حسين الإبراهيم، مؤسس «مركز الإعلام الإلكتروني»، إلى أن العوامل التي أثرت في انتشار صحافة المواطن خلال الحرب، هي «ضعف وسائل الإعلام التقليدية المحلية، التي لم تكن قادرة على تقديم الأخبار وفق حاجة المتلقي، وظهور حملة إعلامية مضادة هدفت إلى التأثير على نفسية السوريين، بالإضافة إلى اكتشاف أهمية شبكات التواصل كوسيلة أساسية لتفعيل دور الفرد في نشر الحقائق». ويؤكّد أن السوريين توجهوا كنتيجة، إلى الأخبار الموجزة على «تويتر»، ومقاطع الفيديو على «يوتيوب»، وعلى صعيد النصوص والوثائق إلى صفحات «فايسبوك».
ويرى أنّ نموذج «صحافة المواطن» لم يدخل سوريا إلا بعد الحرب، موضحاً: «المواطن الموجود في مكان الحدث تولى مهمة الصحافي، بالرغم من عدم امتلاكه أدوات المهنة الصحافية، وحتى اللغة، لكنه كان يكتفي بالتعبير الصادق الذي لا لبس فيه كونه شاهداً للوقائع»، لافتاً في الوقت نفسه الى أن السلبيات تكمن في التعامل مع الحدث «بأسلوب إعلامي يفتقر إلى المقومات الحقيقية للعملية الإعلامية، لكن ما يخفف من وطأة هذا القصور هو تقديم معلومات من أرض الواقع». ويوضح أن الإعلام السوري استفاد من المعلومات التي قدمها نموذج «صحافة المواطن» بشكل بسيط جداً يوصف بـ«الارتجالي، لأنه بعيد كل البعد عن التخطيط والمنهجية»، ومع ذلك الإعلام السوري التقليدي بكل نماذجه لا يعترف بما تنتجه «صحافة المواطن».
وضمن هذا الإطار، ترى رئيسة قسم الإعلام الإلكتروني في كلية الإعلام في جامعة دمشق الدكتورة ندى الساعي أن مصطلح «صحافة المواطن» لم يتم الاتفاق عليه بشكل أكاديمي حتى الآن، وهو كمفهوم يعني «تحول المواطن للمشاركة في عملية نقل الخبر بعيداً عن وسائل الإعلام التقليدية، من خلال المواقع الإلكترونية، والمدونات وصفحات التواصل الاجتماعي وغيرها». ويختلف رأيها مع رأي الإعلامي الإبراهيم، إذ توضح أن «مفهوم صحافة المواطن» ساهم خارج إطار الحروب والأزمات بمهمات إعلامية مهمة «من خلال تسليط الضوء على قضايا ومسائل كانت وسائل الإعلام التقليدية بقصد أو من دون قصد تُغيّبها عن الجمهور، فكان له دور مهم في إعادة ترتيب أولويات المتلقي، وكسر دوامة الصمت من خلال إيصال صوت المواطن العادي إلى الآخرين».
وبرغم انتشار الفكرة التي تقول بأن «الإعلام مهنة تحتاج إلى إبداع»، والتي شجعت انتشار «صحافة المواطن»، غير أن غياب الناحية الأكاديمية والعلمية في هذا العمل الإعلامي أثر سلباً على حاجات مهنة الإعلام، بكل ما تقوم عليه من أسس ونظريات وآليات عمل. وفي هذا السياق، تجد الساعي أن «ميزة صحافة المواطن التي لم تتحقق بالشكل الكافي في وسائل الإعلام التقليدية هي خلق حالة تفاعل ونقاش مع الجمهور، ودورة المعلومات القصيرة؛ من المصدر إلى المواطن، بالإضافة إلى قدر الحرية العالي جداً، إذ ليس هناك قيود لمؤسسة الوسيلة الإعلامية».