فُوجئ سعيد بأنّ منزله الذي خرج منه بسبب الأحداث الساخنة في منطقة سقبا في الغوطة الشرقية، قد بيعَ من دون علمه، في خلال محاولته الحصول على إخراج قيد للمنزل من دائرة السجل العقاري؛ بِنيّة بيعه. الرجل وجد إشارة دعوى على العقار لمصلحة شخص آخر، ولدى متابعة محاميه محمد ضاهر، لرقم الإشارة، تبين وجود دعوى على موكّله الذي لم يعد يملك المنزل أساساً، فتقدم بطلب تدخل ورفع دعوى طعن ضد الشاري، وما زالت الدعوى تنتظر في أروقة المحكمة منذ أشهر.


حالات البيع المزوَّر أصبحت متنوعة جداً، إذ قد يبيع أحدهم بيتاً لا يملكه أساساً من خلال «وكالة عدلية مزورة»، أو عبر استخدام عنوان مزور، أو عقد بيع يحمل «بصمة مزوّرة للمالك»، ومن ثم يتعاون مع شريك أو أكثر؛ يلبسهم ثوب «شارٍ حسن النية» لاستخدام خدعة «تهريب العقار»، فيجعل من كرة الثلج التي تدور في أروقة المحاكم أكبر وأكبر، مستغلاً العقوبة التي تكون في حدّها الأعلى، السجّن لمدة عام.
يبيّن المحامي ضاهر أنَّ حالة موكله «تشبه الكثير من الحالات التي بيعَت في خلالها عقارات، إما باستخدام وكالات عدلية مزورة بالتعاون مع كاتب العدل الذي ينظم الوكالة، أو عبر عقد بيع مزور ينظّمه محامي ويُصدّق عليه في المالية، ويكون بالصيغة الاعتيادية (عقد بيع بالتراضي بين الطرفين) مع تزوير بصمة المالك».
وعادة لا يتوقف المُزور عند هذا الحد، فعليه استخدام خدعة البيع المتكرر للعقار في محاولة للهروب من وجه العدالة، إذ يتفق مع شخص ثالث يقوم بشراء العقار بموجب دعوى تثبيت بيع. ويشرح ضاهر: «عند اكتشاف مثل هذا التزوير من خلال تحليل البصمة، يرفع المالك الحقيقي دعوى جزائية على المزوّر ودعوى تعويض لمصلحته، أما الشخص الثالث فلا يتضرر لكونه (حسن النية) من وجهة نظر القانون». ويضيف أن «التعويض لصاحب العقار غالباً ما يكون أقل من حقّه، وهو أمر يعود تقديره إلى القاضي، فضلاً عن أن هذا النوع من الدعاوى يأخذ وقتاً حتى يُبَتّ فيها، يقارب سنة على أقل تقدير».
الاستيلاء على العقارات بالطرق غير الشرعية قد يكون من خلال تزوير القيود العقارية ذاتها، غير أنها حالات نادرة بسبب صعوبة تنفيذها. ومع ذلك فقد سجلت عدة حالات تزوير من هذا النوع، طاول عقارات في مناطق ساخنة من الريف الدمشقي، بعد إغلاق السجلات العقارية هناك ونقل قسم من القيود إلى العاصمة، حسب المحامي ضاهر.
حيلة العنوان المزور
حالة أخرى لسرقة العقارات من طريق البيع المتكرر بطريقة مختلفة في التزوير، توضحها قصة أبو حسان، الذي اشترى منزلاً في محافظة طرطوس، مرهوناً لحساب قرض لأحد المصارف الحكومية، حيث لم يتمكن من نقل ملكية العقار إلى اسمه في انتظار دفع عدة أقساط للمصرف. وفي خلال هذه المدة، رفع المزوّر دعوى تثبيت بيع ووضع إشارة على صحيفة العقار، مع وضع عنوان وهمي في إضبارة الدعوى، وبالتالي لم يصل التبليغ لصاحب العقار الحقيقي حتى يقوم بإجراء اللازم، ولم يكتفِ بذلك بل سعى إلى بيع البيت 4 بيوع وهمية لأشخاص اتفق معهم مسبقاً وحصلوا على نسبة معينة من الأرباح، ليزيد المشكلة تعقيداً ويصعب اكتشاف الحقيقة.
ولحسن حظ الضحية، إن ابنه المحامي حسان علي، اكتشف الحيلة من خلال عمله في المحكمة فقام بالتدخل بإضبارة العقار ورفع دعوى احتيال مرّ عليها 3 سنوات في أروقة المحاكم. ويوضح حسان أن الشخص المزور ذاته قام بنفس عملية الاحتيال أكثر من مرة بالتعاون مع شركائه، مضيفاً أن الحلقة الأساسية لهذا النوع من التزوير مرتبطة بموضوع «عنوان التبليغ» من خلال «مؤسسة التبليغات» في كل محافظة. ويختم المحامي حسان بأن الحل في مثل هذه الحالات هو «التفاوض مع الطرف المدعى عليه من جهة والسير في سلم القانون من جهة أخرى، للوصول إلى أفضل تعويض مالي عن البيت».
«حصانة الشخص الثالث»
يشير المستشار في محكمة النقض، القاضي كمال جنّيات، في حديث إلى «الأخبار» إلى تزايد ظاهرة سرقة العقارات بطريق التزوير في ظل الظروف الحالية، وخاصة في العاصمة دمشق، ويقول: «يلجأ أصحاب هذه الصنعة إلى انتحال صفة المالك، ومن ثم الحصول على أحكام قضائية تمكنهم من حق التملك من طريق الشراء على عقار يعود للغير، في حين أن سندهم في الشراء باطل»، ويؤكد أن هذا البيع «يمكن إبطاله ولو استند إلى حكم قضائي وسجل في السجل العقاري»، إلا أن المشكلة تمكن حين يُباع العقار بعد تزويره، إلى الغير، وهو ما يسميه قانون السجل العقاري الشخص الثالث، موضحاً أن «هذا الغير لا ينسحب البطلان عليه ولو كانت ملكية من باعه بالأصل معيبة، حيث منحه قانون السجل العقاري رخصة حصنت عقاره من تلك العيوب، طالما أن القيود في ظاهرها تبدو بالنسبة إليه سليمة، إلا أن هذا التحصين للشخص الثالث ليس مطلقاً، بل يمكن إبطال شرائه إذا تبين أنه سيئ النية، أي يعلم بالعيب الذي اعتلى ملكية البائع».
ويوضح جنّيات أن هذه القاعدة، وإن كانت صعبة، إلا أنها بنيت على قدسية قيود السجل العقاري، التي تقوم على أن «تلك القيود هي مصدر الأمان للمواطن في اكتساب ملكيته، وبالتالي إن الاجتهاد القضائي قد كرس هذا المبدأ وحمى الشخص الثالث من قاعدة البطلان الذي اعترى الملكيات السابقة ما لم يثبت سوء نيته»، حيث استقرت الهيئة العامة لمحكمة النقض على هذا المبدأ وكرسته بقرار صادر عام 2014، في محاولة لضبط تلك الحالات وتقنينها منعاً من تخبط الاجتهاد. إلا أن جنّيات يجد أن هذا الأمر «يجافي قواعد العدالة لأن من كان في بيته مستقر آمن في قيود السجل العقاري هو أولى بالحماية من الشخص الثالث».
عقوبات قاصرة
يجد القاضي جنّيات أن النصوص الجزائية غير كافية لتشكل حالة ردع لمن امتهنوا هذه الحرفة، لأن هذه الأفعال بطبيعتها جنحوية (أي الحد الأعلى للعقوبة سجن مدة عام) ويقول: «عقوبة هذه الجنحة يوم سجن واحد عن كل 100 ليرة سرقة، على ألا تتجاوز الأيام 100 يوم سجن، ومن وجهة نظري يجب أن يصار إلى إضافة مادة في قانون العقوبات خاصة في سرقة ملكية العقارات تضع عقوبة شديدة ومضاعفة وتحجب منح الأسباب المخففة التقديرية، ما لم يعمل السارق على إعادة الحق إلى صاحبه، وذلك تيمناً بأصل المادة (625 مكرر من قانون العقوبات) التي أضيفت بنص خاص في ما يخص سرقة السيارات».
الحلول التي طرحها القاضي جنّيات للحدّ من هذه الظاهرة التي كثرت في ظل الظروف الحالية، لا تعتمد على تعديل قانون السجل العقاري، بل بالعمل على تطبيق نصوصه خاصة، «من خلال ضبط آلية تثبيت البيوع العقارية أمام المحاكم والبعد ما أمكن عن الدعاوى الإقرارية، ما دام أكثر حالات التزوير وسرقة ملكية العقارات أتت من مثل هذه الدعاوى صدر الإقرار فيها من غير المالك أو من غير الوكيل، فإن الضوابط المنتجة تبدأ من خلال تحقق المحكمة من الدعاوى الإقرارية من القيود الثبوتية للمدعى عليه ما أمكن، ومن صحة الوكالة من خلال مخاطبة الجهة التي أصدرتها أو من خلال الكشف والتحقيق المحلي الذي قد يكشف أن العقار المراد بيعه هو بيد مالكه الحقيقي وإن من تقدم بالادعاء ليس هو المالك الفعلي أو أن المالك الفعلي لم ينظم وكالة لأحد للتصرف بعقاره».