دمشق | لا تكاد تجف دموع أم أو زوج/ة أو ابن/ة أحد المفقودين من ذكرى هنا أو هناك، حتى تسيل مجدداً قهراً من محتال زرع فيهم أملَ الحصول على خبر أو «علامة» ممن اشتاقت لهم عائلاتهم. عديد من الروايات تقول إن من أهالي المخطوفين من باعوا منازلهم وقدموا الكثير من التنازلات لتأمين ما يطلبه من سيجيء بالعلامة، والذي يعتمد دوماً على لهفة ذوي المفقودين وتعلقهم بقشّة الغريق التي تمنعهم من التفكير بشكل سويّ ومتزن.


تلك اللهفة تدفعهم أيضاً إلى الاستعانة بـ«السَّحَرة والدجالين»، علّهم يحصلون على ما يطفئ نار قلوبهم المشتعلة على مفقوديهم، ما فتح باباً جديداً للاحتيال، ضحيته دوماً قلوب مكسورة تبحث عن بصيص أمل لمعرفة مصير ابن أو أخ أو حبيب.

السحر والتبصير

شاع في العاصمة السورية أخيراً صيت «ساحرة» ادعى المروّجون لها أنها قادرة على تحديد مكان أي مفقود مقابل مليون ليرة سورية، يُدفع نصفه قبل الكشف عن المكان، والنصف الآخر بعد أن يتأكد أهل المفقود من صحة كلامها. وللتأكد من صحة الشائعة، توجهت «الأخبار» إلى حارة اليهود حيث تسكن، والمعلومة الأولى التي صدمنا بها من مختار الحيّ، هي توافد أكثر من 3 أشخاص يومياً ــ أغلبهم من الإناث ــ إلى الحي للسؤال عن «الساحرة» إياها.
الحارة فيها الكثير من المنجمين، لكن عندما طرقنا أبوابهم قالوا إن عملهم يتركز عادة على الأمور العاطفية من قبيل الزواج والطلاق والغرام، أما موضوع المفقودين، فهو الموضوع الذي يجفل منه المنجم، لما له من خصوصية «أمنية». وأحد المنجمين شرح لنا سبب إحجامهم عن تناول هذا الموضوع، وهو الخوف من السلطات التي إن علمت بوجود مَن يتناول موضوع المفقودين بهذه الطريقة، فستجده في «بيت خالته بعد ساعة». واللافت، أن أغلب من صادفناهم في الحارة المذكورة واستوقفناهم، كانوا إما يعملون بذات المهنة – إن صحّت تسميتها مهنة – أو سماسرة لـ«السَّحَرة»، وبمجرد سؤالهم عن أي موضوع، يحاولون فوراً إرسالك إلى «ساحر» بعينه في المنطقة (أو خارجها)، وخاصة حين يتعلق الموضوع بـ«غائب»، لعلمهم بحرقة ذوي المفقودين، واستعداد الكثير منهم لدفع مبالغ كبيرة لمجرد الوصول إلى معلومة عن الشخص المفقود.

كذب وابتزاز

رباب أخت أحد المفقودين قبل نحو أربع سنوات في أحد المطارات العسكرية، ورغم كل ما سعت إليه هي وعائلتها للحصول على معلومات تؤكد مكان أخيها – على اعتبارهم مؤمنين بأنه لا يزال على قيد الحياة – لم يتوصلوا إلى جواب شافٍ، ولم يحصلوا إلا على الكثير من الابتزاز والقليل من الشفقة. فتارة يسافرون من محافظة إلى أخرى بغية لقاء «شخص مهم» لديه معلومات عن مختطفين، ينتظرون أمام بابه ساعات طويلة، ويدفعون «حلوان مسبق» للعاملين في مكتبه، ثم يجلسون معه دقائق معدودة يستمعون خلالها إلى محاضرته عن «الوطنية»، ويتلقفون بابتسامة وعوده الفضفاضة، ويعودون أدراجهم صفر اليدين. وتارة يتفاوضون بصراحة مع أشخاص يدّعون قدرتهم على الوصول إلى معلومات عن المخطوفين، سواء بالتواصل مع لجان المصالحات الوطنية، أو محامين، أو مسؤولين في وزارات الدولة، أو حتى أفراد من المجموعات المسلحة في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية. هؤلاء يأخذون منهم المبلغ الأولي ثم يذوبون كالملح في الماء. وهنا تقول رباب: «الحمد لله لم نخسر أكثر من 200 ألف ليرة سورية، وهذا كان في البداية، وبعدها أصبحنا نميز (النصّاب) من أول تواصل معه». وتضيف: «طرقنا كل الأبواب فوجدناها مغلقة، ومع ذلك لم أفقد الأمل، وحالياً أبقى مرابطة على مواقع التواصل الاجتماعي علّي أحصل على أي خبر».


لجأ البعض إلى توكيل محامٍ يتابع الملف خوفاً من التعرض للابتزاز


جيهان زوجة مفقود على طريق السفر إلى مدينة درعا خلال زيارة عمل له قبل 5 سنوات. الحالة المادية الجيدة لعائلة زوجها جعلتها تدفع ما يقارب مليون ليرة سورية بشكل متفرق، ومع ذلك لم تجدِ نفعاً. وتشرح أن «كل المال يهون أمام الوصول إلى معلومة صحيحة، لكن الصعوبة تكمن في القلق النفسي والانتظار وأسلوب الابتزاز».

طلبات متواضعة

أم مجد والدة مخطوف، قالت إنها ومجموعة من أمهات المفقودين وزوجاتهم يتواصلن بنحو دائم وفوري في حال سماع إحداهن أي معلومة أو خبر عن المخطوفين، ويتبادلن المعلومات التي قد تؤدي – برأيهن – للوصول إلى أي علامة من مخطوفيهم تؤكد بقاءهم على قيد الحياة. ومن بين هذه المجموعة سيدة وكّلت محامياً بمبلغ لا بأس به، لمتابعة الموضوع والسؤال بين وزارة العدل ولجان المصالحة الوطنية، وبغية عدم تعرضهن لأي نوع من الابتزاز من قبل مجهولين.
وعن تجربتها الخاصة، تقول أم مجد: «كنت أتواصل مع سيدة تسكن في منطقة برزة، ولها تواصل مع العناصر المسلحين الموجودين في الغوطة الشرقية كما ادّعت. حاولت مساعدتنا ولم تطلب مالاً، ولكنني كنت أذكرها بالموضوع دائماً من خلال تعبئة رصيد هاتفها النقال». وتابعت أم مجد قائلة إنها تعرضت لعملية ابتزاز واحدة، إذ علمت بوجود رجل في منطقة جرمانا، يقال إن لديه معلومات عن مخطوفي الغوطة، فطلب مبلغ 50 ألف ليرة سورية قبل أن ينطق بكلمة.