منذ اقترب حسم ملف الغوطة الشرقية، وجاء موعد التحرك في القلمون الشرقي ومحيط دمشق الجنوبي وريف حمص الشمالي، بدأت التحذيرات الأممية والدولية من تصعيد محتمل في إدلب أو درعا. اليوم، انتهى الوجود المسلح في تلك الجيوب (عدا داعش داخل مخيم اليرموك)، وبدا أن الخوف من عمل عسكري جديد، دفع الأمم المتحدة لتكون حريصة على اتفاق «خفض التصعيد» الذي أُقرَّ في أستانا، وعلى تشكيل «اللجنة الدستورية» التي أخرجها «مؤتمر سوتشي».

شكّل خروج ريف حمص الشمالي من معادلة العمل المسلّح أمس، نقطة فارقة جديدة في مسار التطورات الميدانية. وبرغم أن جبهاته شهدت «هدنة» طويلة أخيراً، إلا أن مغادرة المسلحين لأولى المناطق (ضمنه) التي احتضنت تنظيمات مسلحة حاربت القوات الحكومية، تحمل رمزية كبيرة تتّسق مع ما تشهده الساحة السورية. اليوم، غاب الوجود المسلح عن وسط البلاد، لينحصر في «محميّات» حدودية ترعاها دولٌ وتحكمُ جبهاتها اتفاقيات «تهدئة» معلنة وغير معلنة. وباتت أية عمليات عسكرية مستقبلية في أي من تلك المناطق، رهن حسابات أوسع تُراعي توافقات الدول المعنية فيها ومصالحها. هذا الواقع الجديد سيحمل تحديات من نوع آخر، على المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وهو لا يعني بطبيعة الحال أن زمن المعارك قد انتهى، خاصة أن «توافقاً كاملاً» ضمن مسار «التسوية السياسية» لا يبدو متاحاً في الأفق القريب.

استعادت الحكومة السيطرة على 1200 كيلومتر مربع وسط البلاد


ويبقى السؤال الأبرز في ضوء تلك التطورات، عن وجهة أي معارك مفترضة للجيش السوري بعد الانتهاء من قتال «داعش» في مخيم اليرموك. هذا التساؤل بات حاضراً متكرراً في حديث المنظمات الأممية والدولية، التي تحذّر من «كارثة إنسانية» في حال إطلاق عمل عسكري جديد على جبهات إدلب أو درعا. وبدا لافتاً أن المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، وبرغم الحساسية الأممية ــ الغربية تجاه المحادثات في أستانا جراء تهميشها مسار جنيف، كان حريصاً على إثبات حضور إيجابي وفاعل في جولتها الأخيرة، قبل أن يخرج أمس ويؤكد أمام مجلس الأمن ضرورة الحفاظ على اتفاقات «خفض التصعيد» التي أقرتها وتضمنها كل من روسيا وتركيا وإيران. دي ميستورا كان واضحاً أمس في تحذيره من «تكرار سيناريو الغوطة الشرقية». وترافقت هذه النظرة الإيجابية للأمم المتحدة، تجاه مسار أستانا، مع تأكيد لجاهزية المنظمة للعمل على تشكيل «اللجنة الدستورية» في جنيف، التي جرى التوافق بشأنها سابقاً عبر «مؤتمر سوتشي». وبرغم أن الخلافات التي اعترضت محاولات تشكيل هذه اللجنة ــ وخاصة الخلاف على توزيع نسب التمثيل فيها ــ لم تحلّ بعد، فإن التوجه الأممي الحالي يبدو كأنه سلّم بأمرين لافتين سبق أن رفضتهما الدول الغربية. إذ يبني خطاب المبعوث الأممي أملاً على «استقرار» ميداني يضمنه توافق ثلاثي (روسي ــ إيراني ــ تركي) في «أستانا»، لدفع مسار المحادثات في جنيف بدءاً من «اللجنة الدستورية» التي أقرّ تشكيلها التوافق نفسه. ومن غير المعروف بعد، كيفية تفاعل الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها مع هذه الطروحات، خاصة أنها سعت بشدة خلال الفترة الماضية إلى ضرب التفاهم الثلاثي هذا. كذلك، لا تزال المكونات السياسية في مناطق النفوذ الأميركي ــ حتى اللحظة ــ غير ممثلة في أي من الوفود المشاركة في محادثات جنيف، وبوجود هيمنة واضحة لـ«حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي في تلك المناطق، فإن الرفض التركي لأيّ مشاركة حالية سيكون مضموناً. ولهذا فإن نجاح التعاون الأميركي ــ التركي المرتقب في قضية منبج، من عدمه، سؤدي دوراً حاسماً في مستقبل هذه القضية. وسيكون اللقاء المرتقب في الرابع من حزيران المقبل بين وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ونظيره الأميركي مايك بومبيو، نقطة مهمة على هذا المسار.
وإلى حين بيان مآل المسار السياسي وإمكانية تحقيق أية خروقات ضمنه، تبدو الأمور على الأرض أكثر وضوحاً، إذ يركّز الجيش السوري حالياً على إنهاء وجود «داعش» على الأطراف الجنوبية للعاصمة دمشق. وتتركز المعارك الحالية على الأطراف الشمالية لحيّ الحجر الأسود، على أن تمتد نحو محاور مخيم اليرموك خلال وقت قصير. وبينما كثّف سلاحا الجو والمدفعية استهداف مواقع داخل المخيم أمس، استشهد عدة مدنيين وأصيب آخرون جراء سقوط عدة قذائف طاولت مبنى مديرية أوقاف دمشق في محيط جسر فكتوريا، وعدة مبانٍ في أحياء الزاهرة والميدان. التطورات في دمشق ترافقت واستعادة القوات الحكومية كامل السيطرة على نحو 1200 كيلومتر مربع من البلدات والقرى في ريفي حمص الشمالي، وحماة الجنوبي، بما يتضمنه ذلك من فتح الطريق الدولي بين حمص وحماة، واستعادة مناطق مهمة مثل الرستن وتلبيسة، إلى جانب حماية منشآت خدمية مثل محطة الزارة ومصفاة حمص وتشغيل معمل إسمنت الرستن. وبعد انتهاء خروج عدد كبير من المدنيين والمسلحين (قدّر بأكثر من 30 ألفاً) من المنطقة نحو إدلب وجرابلس، يفترض أن تنطلق عمليات «تسوية أوضاع» المسلحين ممن قرروا البقاء في بلداتهم، بالتوازي مع دخول ورش المؤسسات الحكومية لاستعادة الخدمات إلى المنطقة. وفي القلمون الشرقي، استعاد الجيش كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر التي كانت مخبأة في جبال البترا والرحيبة، وتضم دبابات وصواريخ ومدافع هاون وصواريخ مضادة للدروع، إلى جانب رشاشات وبنادق حربية مع ذخائرها وأعداد كبيرة من القذائف الصاروخية.