«إش بياخدك ع الرقّة، قَفرة نَفرة! كنّي جنيت إنت؟»، هكذا خاطبني أحد الأصدقاء الحلبيين قبل قرابة عشرين عاماً حين علم أنني ذاهبٌ إلى الرقّة للمشاركة في مهرجان أدبي شبابي تقيمه منظمة «شبيبة الثورة». في الواقع لم يختلف كلامُ الصديق المذكور عن كلامٍ كان يجول في خاطر ذلك اليافعِ الذي كنتُه، غير أنّني لم أصغِ إليهما وقرّرتُ المضيّ في «المغامرة»! أفكر اليوم في الأسباب التي جعلتني أعدّها مغامرة، فلا أجدُ أهمّ من الظلم التاريخي الذي لحق «ابنة الفرات» من قبل أن تصلها الحربُ بعقود، الظلم الذي حوّلها في أذهان كثير منّا إلى صحراء «قفرة نفرة» رغماً عن «عيون المها بين الرصافة والجسرِ»! وحرص على تحويل مفردة «شوايا» إلى «سُبّة» مهمّتها الانتقاص من قدر الرقّيين. وهذا النوع من الظلم يتشاطرُ الجميع مسؤوليّته، فلا هو حكرٌ على حكومات وأجهزة وسياسات، ولا هو نِتاج التفاخر المناطقي فحسب، ولا مجرّد انعكاس لتربيةٍ ثقافيّة مفقودة، هو خليطٌ بين ذلك كلّه خلاصتُه أنّ معظمنا تواطأ على ظلم الرقّة. الدرس الأوّل الذي أعطتني إيّاه تلك «المغامرة» جاء في صورة قصيدةٍ ألقاها شابّ يداري خجله بـ«كبرياء الشاعر»، عقدت ألسنتنا نحن – الشعراء المراهقين – وألسنة لجان تحكيمٍ أعضاؤها أدباء «شيوخ». وسريعاً بدأنا نبحث عن مبرّرات نعزو إليها النقص الذي شعرنا به إزاء قصيدة محمود إسماعيل العمر، وعلى رأسها «أكيد مو هو كاتبها». سرعانَ ما علمنا أنّ ذلك الفتى لم ينل من التعليم المدرسيّ نصيباً وافياً، فلم يكن قد حاز بعد الشهادة الإعدادية (البروفيه)، بل ولم يذهب أبعد من الصف السادس الابتدائي. هي صفعةٌ مضاعفةٌ إذاً: «شاوي»، وأقلّ منّا تعليماً، لكنّه يسبقنا بأشواط في ما جئنا نتنافس حوله! في تلك الزيارة «المغامرة» اصطحبونا لزيارة متحفٍ شخصيّ أنشأه أحد أبناء الرقّة عام 1975 (قبل افتتاح متحف الرقة الوطني بستة أعوام). لم أفهم وقتها ما الذي دفع طه الطه إلى إنشاء متحف «يصرفُ عليه دم قلبه»، فهو أمرٌ لم أسمع بمثله في مدينتي بكلّ عظمتها وغناها. ستكرّ السنون بعدها، وأفتخر بارتباط اسمي باسم الرقّة بوصفي أحد الحائزين جائزة شعريّة مرموقة تحمل اسم «ربيعة الرقّي» عام 2006، من دون أن تسمح ظروف خاصّة بحضور أمسية توزيع الجوائز، رغم أنّ الذهاب إلى الرقة لم يعد مقترناً بـ«المغامرة» في ذهني، بل بات فرصةً لتعلّم الدروس من أبنائها الطيبين. اليوم، لا أعرف شيئاً عن محمود إسماعيل العمر، أما طه الطه فقرأتُ أنّه خضع لعمل جراحيّ لبتر ساقه. لا شيء في أرشيفي يوثّق تلك «المغامرة» سوى صورةٍ مع ابن الرقة وراحلها الكبير عبد السلام العجيلي، أمّا شهادة جائزة «ربيعة الرقّي» فمصيرها غامض في عهدة بيت كنت أسكنه في حرستا (هكذا توحّد مصائب الحرب المدن؟!). من يحكي لنا اليوم عن أبناء الرقّة ويُنشدُنا قول ربيعة الرقّي فيهم: «حبّذا الرقّة داراً وبلد / بلدٌ ساكنها ممّن تَود»؟ أو من يقرأ لنا مع محمود إسماعيل العمر «كان الضُّحى في الخمر يعكسُ صورتي/ والآن فـارغة بحاني الأكؤسُ»؟

السلام على الرقّة وأهلها في كلّ زمان ومكان.