أحاديث كثيرة انتشرت في الآونة الأخيرة عن رغبة العديد ممّن خرجوا إلى الشمال السوري، ضمن اتفاقيات «التسوية»، في العودة إلى مناطق سيطرة الحكومة، وأعلن البعض رغبته في ذلك علانية، بينما أخفى آخرون هذه الرغبة خجلاً وخوفاً. بين هناك وهنا، صراعٌ يتأجّج في القلب والعقل معاً. أقدامهم حائرة وغير ثابتة على أرض في شمال الوطن، وعيونهم صابرة ومثبتة حيث كانوا، ليبقى الإعلان عن الوجهة رغبة يكبح جماحها الظرف والخوف من المقبل. في المقلب الآخر، هناك أبواب مفتوحة لمن يرغب في العودة، بعدما قال «لا» للبقاء سابقاً. تروي أم وليد (60 عاماً) اللحظات الأخيرة لها قبل خروجها وعائلتها من مدينة دوما، والشعور الذي طغى على غالبية من رفضوا «التسوية» واختاروا الخروج إلى الشمال، مقتنعين حينها بأنه بمجرد الخروج من مناطق سيطرة «النظام» سيفتح باب الفرج بعدما عانوا الحصار والحرب في الغوطة الشرقية. حين وصلت الحافلة التي تقلّ عائلتها إلى الطريق الدولي واتجهت شمالاً، شعرت بـ«الفاجعة» على حدّ تعبيرها. وتقول أم وليد: «عندها فقط (لمّست) على رأسي، ماذا فعلنا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ كيف ستكون عيشتنا في تلك الأرض الجديدة ومع أناس لا نعرف عنهم شيئاً؟ لماذا لم نقبل بالتسوية وبقينا بالقرب من ديارنا؟». يومها لم تتفوّه أم وليد ببنت شفة. ابتلعت دموعها وألمها وأكملت طريقها مع من معها. إلا أن سكوتها لم يطل، فالوضع المعيشي الذي وجدته في مدينة جرابلس لا يُسكت عنه، كما تقول، والوعود التي قطعها «جيش الإسلام» وغيره، لإقناع أهالي الغوطة بالرحيل نحو الشمال، ذهبت أدراج الريح. تؤكد أم وليد أنها ستبحث عن فرصة للعودة، حتى وإن عادت وحدها وتركت من تبقى من عائلتها، وتطلب أن تُمنح فرصة جديدة لتسوية وضعها.


الحلم الممنوع!
يبدأ عماد (32 عاماً) حديثه بالاعتراف بأنه ظلم نفسه عندما اختار هذا الطريق، ويبرر أن الضغط والتهديد اللذين ظلّ يتعرض لهما لشهور عدة، جعلاه يأخذ قرار الانشقاق بعدما كان شرطياً في مدينة الرستن. فراره من قوى الأمن والتحاقه بالفصائل المسلحة، قاداه في نهاية المطاف إلى مدينة الباب في ريف حلب، حيث يعيش وزوجته وحيدين في غرفة مستأجرة. وبعد سنوات من عمله ضمن الفصائل، يقول عماد إنه «تاب أخيراً»، واختار العمل في نقل الخضر والفواكه بين الريف والمدينة. ورغم أن وضعه المعيشي مقبول بالمقارنة مع غيره، إلا أنه يقول: «المكان الذي أعيش فيه لا تحكمه دولة لها مبادئ وأنظمة تُطبّق على الجميع، بل عصابات لا تعرف الحق من الباطل». ويسأل عماد إن كان من حقه أن يطلب العودة إلى مدينته والحصول على فرصة حياة جديدة؟ ويختم حديثه بحزن: «حتى ما أتمناه لا يمكنني البوح به والسعي وراءه، فلماذا أحلم؟».

«الفرصة قائمة»
على الجانب الحكومي، يؤكد وزير المصالحة علي حيدر، في حديث إلى «الأخبار»، أن الباب مفتوح لعودة جميع السوريين، بمن فيهم من خرج على خلفية التسويات التي تمّت في مناطق مختلفة. ويضيف أن «الدولة السورية لديها قرار استراتيجي عنوانه الأساسي الإصرار والعمل على إعادة كل السوريين إلى أماكن سكنهم الطبيعي، من دون أي تغيير أو انحراف». وفي وجه الاتهامات التي طاولت الحكومة بالسعي إلى إحداث تغيير ديموغرافي، يشير حيدر إلى أن «الدولة السورية كانت حريصة جداً، وحتى اللحظات الأخيرة، على المعابر وعند خروج الباصات من مناطق التسويات، على محاولة إقناع المواطنين بعدم الخروج من أراضيهم والقبول بالتسوية».
وعن آلية العودة من مناطق الشمال أو من دول أخرى، يقول حيدر إن الإشكالية تكمن في السماح بوصول هؤلاء إلى المعابر نحو المناطق الحكومية، مشدداً على أن «التفصيلات الإجرائية لإنجاز عودة هؤلاء سهلة، من خلال تعليمات وزارة الداخلية لإدارة الهجرة والجوازات بتسهيل دخول الجميع، بمن فيهم من فقد أوراقه الرسمية، إذ يُمنح بطاقة ويراجع الإدارات المدنية ليستعيد كل أوراقه ويعود إلى حياته الطبيعية». أما من يرغب في العودة ويتوقع أن تكون عليه «إشكالات أمنية»، فهناك توجيهات واضحة لتسهيل معاملات هؤلاء وإنهاء مراجعاتهم الأمنية بزيارة واحدة، بينما ينطبق على المطلوبين لارتكابات جرمية وجنائية ــ وأعدادهم قليلة جداً (وفق الوزير) ــ ما ينطبق على الموجودين داخل سوريا، فالقانون يطبّق على الجميع. ويضيف حيدر أنه يمكن لأي سوري العودة إلى الداخل بشكل كيفي من خلال الوصول إلى المعابر والدخول مباشرة بإجراءات بسيطة، أو التواصل مع وزارة الداخلية أو وزارة المصالحة الوطنية. ومن أجل طمأنة هؤلاء، تم فتح باب التواصل مع وزارة المصالحة واللجان الفرعية في المحافظات لتقديم المعلومات الأولية لأي شخص راغب في العودة، وحتى بشكل غير شخصي، عن طريق الأقارب مثلاً، لتتم دراسة الأسماء وإبلاغ الشخص المعني بوضعه، وهذا ما حصل مع عدد من الناس الذين عادوا.