تبدو الحاجة إلى سنّ مشروع استثمار جديد في سوريا ملحّة، نظراً إلى ضرورة استقطاب استثماراتٍ تحتاج إليها البلاد في مرحلة الإعمار والبناء الموعودة. تأسيساً على ذلك، نشرت «رئاسة مجلس الوزراء» المسوّدة الأوليّة لمشروع قانون جديد عبر «الزاوية التشاركيّة» للحصول على الآراء والملاحظات. يظهر جاليّاً حرص «المشروع» على تقديم مزايا وجواذب لرؤوس الأموال، وعلى رأسها التسهيلات الضريبية. للوهلة الأولى، يبدو «مشروع القانون» فاتحاً ذراعيه بالكامل؛ عبر بنود السماح باستيراد الآليات الإنتاجية وحتى السيارات غير السياحية التي تخدم المشروع، وتسهيلات استقدام الخبرات الأجنبية وأصول التحويلات، في شكل مطوّر لقانون الاستثمار الرقم 10 الصادر عام 1991. تأتي المفاجأة الصاعقة مع قراءة المادة 4 المعنونة بـ«ضمانات الاستثمار» بما فيها من فقرات حول «مصادرة المشاريع». تنص الفقرة 2 مثلاً على «عدم نزع ملكية المشروع إلا للمنفعة العامة بمرسوم ومقابل دفع تعويض معادل للقيمة الحقيقية للملكية». أما الفقرة 3، فتنص على «عدم المصادرة الخاصّة إلا بحكم قضائي ولضرورات الحرب والكوارث». إنّ المحل الطبيعي لمواد قانونيّة من هذا النوع هو «أحكام قانون العقود المدنيّة» و«الأحكام الجزائيّة»، لا في صدارة قانون يهدف أساساً إلى استقطاب الاستثمارات. تقول القاعدة البديهيّة إنّ «رأس المال جبان» في أي مكان أو زمان، ولن تحثّه مواد من هذا النوع إلا على الهرب! وليس من المنطق في شيء أن يبدأ «قانون استثمار» بالقول للمستثمر المحتمَل: قد نُصادر مشروعَك «خدمةً للمنفعة العامّة» ومن دون دور للقضاء! أو بحكم قضائي لـ«ضرورات الحرب والكوارث»، ولا سيّما أنّ الحرب لم تنته أصلاً. وحتى لو جاء وقت توقّفت فيه المعارك كليّاً، فإنّ ذلك لا يعني نهاية الحرب. عادة ما تأتي قوانين الاستثمار بتنويهات بسيطة عن «القوانين الحاكمة للنزاعات» ليعود مختص القانون إليها، ولا يتم وضعها في صورة توحي بأنّ «مشروع الاستثمار» يحوي «فخّ تأميم» محتملاً. ثمّة ملاحظة ثانيّة شديدة الأهميّة، مفادُها الأمل بتضمين القانون الجديد بنوداً تدعم رؤوس الأموال التي دفعت ثمن بقائها في البلاد زمن الحرب (سواء كان الثمن خسائرَ مالية أوتدميراً إرهابيّاً أو ابتزازاً بفعل الفساد... إلخ). من الأجدر أن تكون هناك «مكافأة» لمن خسر رأس ماله بسبب إصراره على البقاء في البلاد، ولو كانت تلك المكافأة في شكل «تسهيلات قروض» تحت جناح القانون الجديد، ليبدأ الصناعي أو التاجر أو صاحب المؤسسة مسيرته مجدداً.

من الأجدر أيضاً أن يؤسس «قانون الاستثمار الجديد» لبناء اقتصاد جديد على أنقاض الاقتصاد القديم. لا أن يقصر اهتمامه على استقطاب رأس المال والعمالة عشوائيّاً ومن دون مراعاة أولويات احتياج الاقتصاد (من صناعة وزراعة وخدمات)، ينبغي الحرص على تخفيف «الاستيراد العشوائي» لكل شيء مهما كانت جودته. إنّ تشريع «قانون استثمار» موجّه لما يحتاج إليه الاقتصاد الوطني الآن (أو ما سيحتاج إليه مستقبلاً) سيسهل مهمّة بناء الاقتصاد و«إعادة الإعمار». وهذه ليست عملية تشييد مبانٍ اسمنتية وبنى تحتية فقط. ثمّة احتياجات أكبر من ذلك، بدءاً ببناء الاقتصاد الحقيقي، وليس «الوسيط» ولا «الاستيرادي»، بل «الاقتصاد التصديري» الرفيع الطراز. «إعادة الإعمار» ينبغي أن تشمل أيضاً إعادة صوغ القوانين الحاكمة لفصل النزاعات وقوانين الشركات وتأسيسها. كما ينبغي أن تشمل تغييرات حقيقية في هندسة البناء الضريبي الذي يشتكي منه التجار والصناعيون بكثرة. إنّ عمليّة إغراء رؤوس الأموال وجذب المستثمرين هي مسألة أكثر تعقيداً من مجرّد تسهيلات ضريبية واستيرادية فحسب. الكرة لا تزال في «ملعب المُشرّع»، والفرصة متاحةٌ لوضعها في «ملعب المستثمرين» بالصورة الصحيحة.