في ثمانينيات القرن الماضي وأوائل التسعينيات، كان الشارع المتفرع عن «شارع 8 آذار» صعوداً باتجاه «سوق الذهب» في اللاذقية يعج بالشباب التواقين إلى مشاهدة آخر الأفلام التي تعرض في «الكندي» (أبرز وآخر صالات المدينة السينمائية، أُغلقت منذ نحو سبع سنوات). أمّا اليوم، فقد اكتفى هذا الشارع باسم «شارع السينمات» من دون وجود أي صالة سينما فيه، ولا في سواه من شوارع المدينة! أُزيل مبنى «سينما الزهراء» الملاصق للمتحف قبل فترة قصيرة لإنشاء مبنى تجاري بدلاً منه. تسدُّ «البسطات» مدخل «سينما أوغاريت» مُعلنةً أنَّ هذا عصر الركض وراء رزقك كي لا تجوع وتَعرى، لا عصر الرفاه الفكري، أو حتى عصر الليالي التي تُفرغها لراحتك والاحتفاء بالحياة. أمّا «سينما الأهرام»، فقد أضحت وقفاً كنسياً، فيما اختفت ملامح «الكندي» تماماً (بدأت قبل أشهر عملية الترميم المنتظرة منذ سنين)، أضف إليهما «سينما دمشق» و«سينما شناتا» وغيرهما من الصالات التي اختفت منذ عقود. وحدها «شاشة إسقاط متحرّكة» في «المركز الثقافي الجديد» تحاول جاهدة سد الثغرة، بمساعدة من «المسرح القومي» الذي غالباً ما تكون أبوابه مغلقة عند الرابعة عصراً. هكذا، ستستنتج ببساطة أنّ السواد الأعظم من مراهقي المدينة وشبّانها لم يسبق لهم دخول صالة سينما تقليدية. يحدث هذا في القرن الحادي والعشرين، في مدينة طالما شرعت أبوابها ونوافذها البحرية لعناق كل جديد! يدفعك هذا الواقع إلى الاعتقاد بأن سكان اللاذقيّة لا يبالون بالفن السّابع. مهلاً! لماذا يتدفقون إذاً لحضور أي فيلم يُعلن عرضه في «المركز الثقافي» مهما كان موضوعه ومستواه وحتى سعر تذكرته؟ ولماذا تتزايد أعداد «شاشات العرض السينمائي» الموجودة في دكاكين صغيرة أو غرف معزولة في بعض المقاهي، وتجدُ نفسك غالباً في حاجة حجز مسبقٍ لاستئجارها ومشاهدة فيلم من اختيارك؟ أليس في الأمر تأكيد على شغف أبناء المدينة بالسينما، برغم أنّ ما تقدمه غُرف العرض تلك لا يختلفُ كثيراً عن مشاهدة فيلمٍ في المنزل إلا على الصعيد التقني؟

من سخرية القدر أنَّ مدينةً لا تحوي صالة سينما واحدة تُقيم كل عام مهرجاناً سينمائيّاً يستمر أياماً ويستضيف أفلاماً محليةً، دولية، وعالمية. هذا من دون نسيان أن اللاذقيّة صدّرت عدداً من أبرز الأسماء السينمائيّة في سوريا! لا يقتصر الأمر على السينما، بل هي مجرد مثال على «التهميش الثقافي» الذي لم يولد مع الحرب، بل سبقها بأعوام طويلة. (هذا حال كثير من المدن السورية، أما العاصمة فما زالت تشهد نشاطاً ثقافيّاً برغم الحرب). ولتكتمل الصورة، يمكنك التجوال في شوارع اللاذقيّة التي لا يكاد يخلو أحدها من جامع واثنين، أو كنيسة واثنتين! وستلاحظُ بوضوح أنّ أنشطة دور العبادة مستمرّة في تزايد كثيف: صلواتٌ وقدّاسات، ودروس دين وتحفيظ قرآن مستمرّة. «هذا تعزيزٌ لثقافة التدين لا الإيمان»، يقول أحد أبناء المدينة، ويضيف: «هل وُهبت ميزانية وزارة الثقافة لوزارة الأوقاف؟ ويحدّثونك عن البيئات الحاضنة للتطرّف!».
ماذا عن الغد؟ أتكون الأولوية لإعادة بناء ما تهدم من بُنى تحتية ومرافق؟ أم لإعادةِ بناء الفرد فكرياً؟ «الوقت ليس مناسباً لطرح أفكارٍ تصبُّ في خانةِ الرفاه»، هكذا يرى سوريّون كُثر همهم الأوحد «أن تعود البلاد كما كانت». لكن، هل يجبُ أن تعود «كما كانت» حقّاً؟