دمشق | «أي قطعة بمية ليرة تعال نقي وشوف، يا بلاش ويا بليش وأنا بياع الدرويش»، نداء يكرّره الصوت الصادر من آلة تسجيل منذ الساعة السابعة صباحاً، إلى أن يمل صاحب البسطة فيريح الآلة دقائق قليلة، ثم يعيد الكرّة. تختلط الأصوات في منطقة «البرامكة» وسط العاصمة دمشق: نداءات الباعة، وأبواق «السرافيس»، والأغاني التي تصدح من كل مكان. يصعب السير على الأرصفة هنا، فالعشرات من البسطات تحتلّ معظمها، من دون أن تُحدث المداهمات المفاجئة التي تقوم بها دوريات تابعة لـ«محافظة دمشق» فارقاً كبيراً.


البقاء للأقوى!
يتخذ ماجد (مكفوف) من زاوية «مشفى الجلدية» مكاناً يفرش فيه «بضاعته» على شرشف صغير لا تتجاوز مساحته متراً مربّعاً واحداً. ليست «البضاعة» سوى عدد من أكياس المناديل الورقية، وبضع علباً صغيرة من العلكة وقطع البسكويت. لن تسمع للشاب العشريني نداءً يروّج به لما يبيعه، هي كلمات قليلة يردّدها عندما تشتري منه شيئاً من «البضاعة» التي لا تتجاوز قيمة أغلاها مئة ليرة سورية (0.19$). يقول الشاب: «أرفض أخذ نقود بلا مقابل»، ويضيف متحسّراً «مع الأسف لا أستطيع المكوث هنا دائماً. الدوريات تطاردنا، وأنا أعمى، ولا يوجد من يعينني على الهرب، لذلك أرحل بأقل الأضرار بعد أن يطردني رجال الدوريّات».

رواتبنا هزيلة ومعظمنا يؤمّن حاجياته من البسطات المنتشرة


على درج «جسر الرئيس» ينادي حسام على بضاعته: «أي قطعة بألف وخمسمية، نحن ملوك الأحذية، يلي بمحلات الحمرا صارت عنا اليوم». يقول الرجل: «لا أبيع البضاعة ذاتها دائماً، كل يوم هناك سلعٌ جديدة يأتي بها المعلم ونحن نبيعها، فأنا مجرد عامل أبيع وأتقاضى أجراً، وأصلاً إذا لم يكن لواحدنا ظهر يحميه فلن يتمكن من فرش بسطة خاصة به». يعمل حسام موظفاً في إحدى الدوائر الحكوميّة، ويباشر دوامه على «البسطة» بعد انتهاء الدوام الرسمي. يقول «الرواتب لم تعد كافية لدفع إيجار المنزل ومصاريف الطعام والمدارس، لذلك أعمل على البسطة بين خمس وسبع ساعات، أتقاضى مقابلها ألفي ليرة سورية يومياً» (الدولار حوالى 515 ليرة). ويضيف «طبعاً هذا العمل مجهد ويعرّضنا للإهانة، حين تلقي الشرطة القبض علينا وتصادر البضاعة يُحمّلنا صاحب البضاعة المسؤولية، ولا يرضى دائماً بالتوسّط لإخراج بضاعتنا من الحجز». ليس هناك توقيت معيّن لحضور «دوريات المحافظة»، لكنك ستدرك من حركة هروب أصحاب البسطات أن الدورية قريبة. البعض قد يترك بضاعته البسيطة ويهرب بعيداً، وهناك من يحاول أن يلتقط بيديه وأسنانه ما استطاع من أغراضه قبل الهرب، فيما يتفرّج «مدراء» البسطات الكبيرة على هذا المشهد من دون أن يحركوا ساكناً، فهاتف واحد من صاحب البسطة «الأصلي» سيكون كفيلاً بحل أي مشكلة قد تواجههم.

«أبو حلب»
تسأله عن اسمه فيرد «أبو حلب». قبل عامين كان الرجل يفترش حيّزاً واسعاً من الرصيف المحاذي لكلية الحقوق. لكنه اليوم يفرد أغطية الرأس التي يبيعها على سور جامعة دمشق. يقول «لم أعد أمتلك الرخصة التي تمنحها المحافظة لشغل الرصيف، لذلك أضع بضاعتي على الأرض، وأكون مستعداً للهرب في أي لحظة. لا أبتعد عن محيط الجامعة، فمعظم زبائني هنّ من طالبات الجامعات والموظفات». يبيع الرجل بضاعة «ستوكات» (فيها عيوب) بأقل من سعرها العادي بأربع مرات. يشرح ظروفه الصعبة متحسّراً «نحن خمس عائلات نعيش من بيع هذه البسطة، ليس لنا باب رزق آخر. خسرنا ورشتنا ومحالنا في حلب، ولا نجيد مهنة غير الخياطة سوى البيع والشراء». سوسن ممرضة في مشفى التوليد (منطقة البرامكة) واحدة من زبائن البسطات. تقول «رواتبنا هزيلة، ومعظمنا يؤمّن حاجياته من البسطات المنتشرة على الأرصفة، من لوازم المنازل إلى الثياب والاحذية، فلا قدرة لنا على الشراء من المحلات». وتضيف «هذه البسطات تسدّ شيئاً من حاجتنا، أنا لا أستطيع أن أدفع ثمن دزينة فناجين قهوة سبعة آلاف ليرة، بينما يمكنني أن أشتري الفنجان بمئة ليرة من البسطة، وكذلك الثياب».
يؤكد الباحث الاقتصادي سامر أبو عمار أنّ «ظاهرة البسطات وعربات الباعة الجوالين من أكثر المظاهر شيوعاً في البلدان النامية والمتخلفة». يقول لـ«الأخبار» إنّ انتشار الظاهرة «يرتبط إلى حدّ كبير بقصور وفشل سياسات الاقتصاد الرسمي (اقتصادية واجتماعية) عن استيعاب اليد العاملة وفشل سياسات التخطيط (الاقتصادية والاجتماعية) في تطوير البنية المحلية لعناصر الاقتصاد، وتأتي هذه الظاهرة لتخلق فرص عمل جديدة وملائمة للتركيبة السكانية ومعدلات النمو السكاني في البلد المعني». يوضح أنّ البسطات، والباعة الجوالين، هما جزء من عناصر وأشكال «الاقتصاد الخفي» أو «الاقتصاد الموازي» أو «اقتصاد الظل» في معظم الأدبيات الاقتصادية. يقول «اقتصاد الظل في معظم الدول النامية يشكّل جزءاً مهماً من التركيبة والبنية الاقتصادية لهذه البلدان، وتصل مساهمته في بعضها إلى 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبةٌ قد تزيد أو تنقص بسبب ضعف الرقابة الإحصائية وقنوات جمع المعلومات لعدم وجود سجلات رسمية لضبط تراخيص ممارسة هذه الاعمال والأنشطة الاقتصادية في مؤسسات الدولة».
أكثر ما يميّز هذا النوع من الأنشطة هو انتشاره في الأسواق الشعبية وعلى أرصفة الطرقات والمجمعات السكانية العشوائية، وأحياناً في أوقات الليل المتأخرة، بعد أن تُقفل أبواب الأسواق النظاميّة، كما هي الحال في «سوق الحميدية» الدمشقي. يلفت أبو عمار إلى أنّ «أكثر الأسباب المباشرة في انتعاش مثل هذه الاعمال هو التهرّب الضريبي، وأكلاف التراخيص البلدية والإدارية، وبعض الموافقات الحكومية التي غالباً ما تكون مكلفة ومرهقة، وعدم وجود فرص عمل لشريحة كبيرة من المواطنين، وإمكانية تحقيق دخول مرتفعة أحياناً لا تتوافر في بعض الاعمال الرسمية أو من خلال الوظيفة».