كرسي خشبي كان يجلس عليه الأديب الراحل عبد السلام العجيلي، ولوحة معدنية سوداء كُتب عليها «مكتبة بور سعيد». هذا كل ما بقي من إرث المكتبة التي تأسست عام 1957 بُعيد العدوان الثلاثي على مصر، فسُميت بهذا الاسم تعبيراً من صاحبها المثقف اليساري أحمد الخابور (1941) عن تضامنه مع جمهورية مصر العربية.

مرت عقود طويلة منذ تأسيس المكتبة، واللوحة مُعلقة فوق بابها لم تتغير. هي جزء من إرث تاريخي يعني الكثير لأهل الرقة، ولم تستبدل تماشياً مع التطورات التي شهدتها الإعلانات من لوحات ضوئية وغيرها، إلا أنها سقطت للمرة الأولى في عام 2017 بفعل الصواريخ والقذائف التي تركت فيها ثقوباً شاهدة على العدوان الأميركي الذي لم يفرّق بين مسلح ومدني.
أصرّ العم أحمد الخابور، «أبو زهرة» كما يحب أن يناديه الأصدقاء، على إعادة الحياة إلى مكتبته التي أحرق تنظيم «داعش» محتوياتها من الكتب خلال سيطرته على مدينة الرقة. ثم جاء العدوان الأميركي ليدمر ما لم يدمره التنظيم، فتضررت الجدران نتيجة القصف المتكرر الذي شهده مركز المدينة، فلحق بالمكتبة المجاورة لمتحف الرقة الوطني ما لحقه من أضرار. راح الرجل يبحث بين ركام منزله الذي دمره الطيران الأميركي عن بقايا كتب أخفاها في وقت مضى قد تكون نجت من الحرق والتلف، لينفض الغبار عنها، ويبدأ بإحياء المكتبة التي لا تزال مقصداً لمثقفين عادوا إلى المدينة أخيراً.
يقول مهند الخابور، نجل صاحب المكتبة، لـ«الأخبار»: «رغم دمار منزلنا، إلا أن ما تعرضت له المكتبة ترك أثراً كبيراً في نفس والدي، لذا كانت هي الأولوية بالنسبة إلينا حتى قبل المنزل، لما تعنيه للوالد، فهي كل حياته، لذا كانت فرحته كبيرة برؤية الكتب على رفوفها مجدداً».
تمكن الخابور أخيراً من ترميم المكتبة، وأعاد تركيب الرفوف الخشبية، ورتّب ما جمعه من كتب ليُعيد إليها الحياة، مُتحدياً كل الظروف القاسية التي تعانيها الرقة، لكنه يُصرّ على أن الثقافة والقراءة هما السبيل لتشكيل الوعي، ولا يزال شعارها: «اقرأ الكتاب، وإن لم يعجبك لا تدفع ثمنه».