في الطريق إلى المنزل مساءً، يزدحم رأسي بالأسئلة. بعضها سهل الإجابة وبعضها صعبٌ إلى درجة أنك لا تجرؤ على طرحه حتى. لا أعرف لمَ لا تلتقط عينايَ سوى التفاصيل «الخطأ»، حفريات الصرف الصحي التي انتهت بترقيع الإسفلت، الاختناقات المرورية، المشاريع التي لا يمكن إنجازها إلّا في نهاية العام، أو تلك التي لا تعرف لماذا تنجز أصلاً الآن في هذا الوقت وهناك عشرات الأولويات أمامها! طريقي الطويل الذي أعرف سلفاً أنني لن أنجح بعبوره بواسطة نقل عامة، حيث أنه لا وسائط نقل تزور حيّنا منذ أن بدأت الحرب ولا تزال هذه «الحجة» شغّالة كما يقال باللغة المحكية.

ينتهي هذا المونولوج اليومي عادة في محطة الميكرو باصات الأشهر في العاصمة، «جسر الرئيس»، حيث ألفت وجوه الناس المنتشرة فوق أرصفة المحطة، أتأمل أعدادهم المتزايدة يومياً في هذا الفراغ («المواصلاتي») بإرهاق شديد. أضع سماعات الرأس في أذني وأنتظر، حالي كحال هؤلاء البشر المتعبين من فرط ما انتظرنا على هذا الطريق.
لا يبدو المشهد غريباً على الإطلاق، غير أنه تفاقم بفعل الزمن، حتى رائحة النهر الكريهة لا تزال هي ذاتها تفوح منذ سنوات، وأعود لأسأل نفسي هل ستصل هذه الرائحة إلى مكتب محافظ المدينة الجديد؟ أم أن جدران المكتب سميكة جداً وهذا ما جعل سلفه لا يسمع ولا يشمّ ولا يرى ما يحصل خارجها؟ «كل شيء زاد عن حدّه»، المشردون والمتسولون والباصات المتزاحمة والقليلة في الوقت نفسه.
يرهقني الوقوف، وأفشل كالعادة بحجز مقعد في مركبة تقلني إلى مكان قريب من منطقة سكني التي تعد واحدة من أحزمة الفقر التي تلف المدينة، لينتهي بي الحال في سيارة أجرة، يباغتني سائقها بعبارة مواساة لهذه «السَكنة» الصعبة في مقدمة واضحة إلى أنه سيطلب مبلغاً كبيراً مقابل «التوصيلة».
كثيراً ما يحشرك سائق سيارة الأجرة في خانة حكاياته ومعاناته التي يجزم أن لا أحد يشاركه ألمها، أجيبه بالموافقة حيث أن أي إجابة أخرى ستفتح باب حديث يكاد لا ينتهي (وهذا ما حصل بطبيعة الحال). فهذه «السَكنة» على حدّ قوله أرحم بكثير من منزله المدمر في مخيم اليرموك. يستفيض الرجل بالثرثرة ويسألني هل تعرفين أنهم حولوا ملف المخيم للمحافظة؟ أتظاهر بالدهشة وأسأله أيهما تفضلون المحافظة أم «اللجنة المحلية»؟ فيقول: «والله ما بعرف وما بيهمني، المهم يرجع يصير عندي سقف يأويني».
ابتسمت في سرّي لمحاولة النميمة على المحافظة. تذكرت ما قاله لي أحد ملّاكي ما يعرف بمنطقة بساتين خلف الرازي في المزة قبل أيام، كيف أن المحافظة وأثناء تسليمهم الدفعة الثانية من تعويضات السكن البديل أخبرتهم بأن الإجراءات في السنة الثالثة ستكون أقل تعقيداً! علماً أنهم عندما خرجوا من منازلهم تلقوا وعوداً بالعودة بعد عامين فقط.
ووجدتني مرة أخرى وجهاً لوجه أمام أسئلة من نوع آخر، ترى هل يعرف المحافظ أننا «نحن سكان العاصمة» نشعر بنزعة الابن المدلل لأننا من سكان دمشق؟ ونعتبر أنفسنا محظوظين إذ نقطن أول عاصمة مأهولة في التاريخ. لعلّه يعرف جيداً وهو «من أهل البيت» أننا نراها جميلة وساحرة على رغم كل الأسباب التي تنغّص علينا حياتنا، لكننا في انتظار الفارق الموعود بعد انقضاء سني الحرب وانتهاء تأجيل كل شيء إلى ما بعدها.