دمشق | قبل قرابة مئتي يوم، أعلن الجيش السوري انتهاء العمليات العسكرية في دمشق وريفها. خمدت أصوات المدافع وتحولت خطوط النار إلى متاريس فارغة، وترك مقاتلون معارضون عبارات وشعارات تُشيرُ إلى إنّهم كانوا «هنا». ستة أشهر مضت على إطلاق آخر قذيفة مدفعية، وآخر طلعة جويّة، وآخر تهديد للعاصمة بقذائف المعارضة، وآخر اشتباك وانفجار ودويّ سيارة إسعاف تنقل مُصاب حرب. فكيف تبدو الحال بعد نصف عام من «السلام»؟

لا تزال عبارة «انتبه من القنّاص» موضوعة على عمود معدني في منطقة «كراجات العباسيين» شرق دمشق، وقد كُتبت بخطّ ركيك. ويبدو أن القناص دمغها أيضاً برصاصتين أو ثلاث، خلّفت فتحات يمكن النظر عبرها لترى في الأفق القريب على بعد ثلاثين متراً، متحفاً من الدمار يستقبل القادمين إلى العاصمة من مدخلها الشرقي، ويُجاور سكّان منطقة التجارة التي عايشت تفاصيل المعارك والاشتباكات لحظة بلحظة. وبرغم مضي حوالى مئتي يوم على سماع آخر قذيفة هاون، فإنّ الهواجس قد ترافقك لدى مرورك من هنا، فتزداد سرعة خطواتك لاإراديّاً، وتُتمتمُ شفاهك بعض الأدعية. لكنك لا تلبث أن تتذكر أن القذائف برد لهيبها، وبقيت مكدّسة بعضها فوق بعض لعرضها في تقارير «العثور على مستودع أسلحة» فحسب.

من ساحة باب توما إلى حيّ التجارة، بقي حاجزٌ يتيم يتفقّد عناصره السيارات بملل


في هذه المنطقة، تقطن جميلة خاطر في مبنى مؤلف من عشر طبقات، وترى من نافذتها بوضوح أجزاء واسعة من الغوطة الشرقيّة المجاورة. «الآن أصبحنا نرى، كنّا قبل ستة أشهر قد أغلقنا النافذة بشكل مُحكم، ووضعنا أحجاراً اسمنتية خشية دخول رصاص أو شظايا، وأقفلنا غرفة الضيوف المطلّة على جهة القذائف». تقول السيدة التي بلغت من العمر 38 عاماً. وتسترسل في شرح تحوّلات حياتها: «لا شيء يساوي الإحساس بالأمان، هو أبرز ما لمسته في الأشهر الماضية... في كثير من الأحيان، كنتُ أمنع طفلي ميلاد من الذهاب إلى المدرسة، وحين أسمح له بذلك أبقى على أعصابي حتى يرجع سالماً، كثيراً ما هرعنا إلى المدرسة لإحضاره حين تشتدّ القذائف».
لا يزال قلبُ جميلة يعتصر للحظة كلّما سمعت صوت انفجار في شرق دمشق، بفعل عمليات تفجير أنفاق يقوم بها الجيش السوري بشكل دوري، ثم تدرك بعد لحظات أن «الأصوات صديقة».

«الله يرحم أيام القذائف»
في الطريق من ساحة باب توما إلى حيّ التجارة، بقي حاجزٌ يتيم يتفقّد عناصره السيارات بملل. حفظ العناصر وجوه الناس وخلفيّات السيارات، ولا يكادُ يمرّ سائق من دون أن يسلّم على أحدهم بالاسم، ويردّ عليه عناصر الحاجز السلام بالاسم أيضاً. يلقي أبو رامي، سائق سيارة الأجرة، التحية ويتجاوز الحاجز. يقول الرجل الأربعيني مازحاً «الله يرحم أيام القذائف، ما كنت تشوف حدا بالشارع، وما كان في عجقة أبداً»، ويضيف «لكن الحواجز أنهكتنا حينها، أما اليوم فالمرور بدمشق بات سلساً خارج أوقات الذروة». وأزيلت في الشهور الأخيرة معظم الحواجز من قلب المدينة بشكل تدريجي، وتم استبدالها بنقاط تفتيش غير ثابتة «بسبب تحسّن الوضع الأمني». يتحدث أبو رامي عن التغيّرات التي طرأت على حياته في فترة «السلم» ضاحكاً «غيّرت المحطّة التي أسمعها بشكل دوري، كنت ثابتاً على إذاعة شام إف إم لأتابع الأخبار العاجلة، اليوم أفضّل إذاعة نينار، أو إذاعة المدينة التي تضع أغاني عصرية». يخرج أبو رامي منتصف النهار، ويعود في وقت متأخر من الليل إلى منزله الكائن في منطقة «نهر عيشة»، يواصل حديثه بروح الدعابة ذاتها: «بتّ أسمع صوت زوجتي أقل من قبل، كانت تتصل بي مع كل صوت قذيفة، تخيّل كم كانت فواتير هاتفها باهظة».

«عمليات تجميل»
شرعت «محافظة دمشق» بإزالة آثار الدبابات من الطريق الدولي «دمشق ــــ حمص» ضمن خطّة لـ«تجميل مداخل العاصمة». بالإضافة إلى إزالة الردم من الغوطة والمناطق المتاخمة للمعارك والتي تعرّضت بدورها لدمار كبير. كما قامت بتغيير واجهة «ساحة العباسيين»، أحد أشهر رموز المعارك، واستبدال الاسمنت بالشجر. كذلك، أعيد ترصيف شارع فارس الخوري، الذي تحول في وقت من الأوقات إلى واحدة من أعنف الجبهات. وأطلقت «المحافظة» أيضاً خطّة لـ«تأهيل الجسور الرئيسية وصيانتها» بدءاً بجسر فكتوريا، مروراً بجسر الثورة. «عمليات التجميل» المستمرّة لم تلقَ استحساناً في الشارع الدمشقي الذي امتعض تارة، وسخر تارة أخرى. يواصل «أبو رامي تكسي» سخريته، ويقول «صار فينا من برّا رخام ومن جوّا سخام».

«راحت السكرة وإجت الفكرة»
لا يعتقد أيمن سوحة بأن «القادم أجمل». يفاجأ حين نقول إن نصف عام مضى على نهاية المعارك في دمشق. يتوقّف للحظة عن عمله في إصلاح إحدى السيارات، ثم يتابع قائلاً «ربّما كانوا مشغولين في ذلك الوقت بمحاربة المسلّحين، أما اليوم فجميع الأجهزة في المحافظة وغيرها قد تفرّغوا لنا». يعمل أيمن في ورشة لتصليح السيارات في «المنطقة الصناعية» في حي «الدويلعة»، ويضطرّ أحياناً إلى الإغلاق باكراً أو عدم فتح محلّه أصلاً إثر ورود أنباء عن قدوم دوريات للجمارك والمحافظة والضرائب... الخ. يقول ممتعضاً: «قبل ستة أشهر، كنّا نعمل في سلام، رغم أن القذائف كانت مثل المطر، لكن لم يكن يزعجنا أحد بحجج المخالفات... اليوم، كل ساعة تأتينا دورية ما، وتريد حصّتها من المعلوم». يعترف أيمن بأن الحياة أصبحت أكثر هدوءاً من ناحية أصوات الانفجارات، لكنها أكثر صخباً من ناحية اللهاث وراء لقمة العيش. يقول «كنّا نرضى بالقليل، وكانت أقصى آمالنا أن نعود سالمين إلى منازلنا. اليوم، راحت السكرة وجاءت الفكرة، ولن نقبل بالحدّ الأدنى من مقوّمات العيش».

«بدأت للتو»!
يعمل عبد الرحمن في أحد المسابح الشتوية في منطقة «المزّة» ليلاً. أما في النهار، فهو طالب «هندسة مدنية». يتحدّث الشاب (23 عاماً) عن مرحلة «اللاعودة»، يقول: «نعم، انتهت الحرب وبدأت صفحة جديدة، وعلى الجميع التكيّف سريعاً لكي لا يذهب مع التيار الجارف». يتحدّث عبد الرحمن عن «فرص عمل بالجملة ستأتي مع إعلان بدء إعادة الإعمار»، لكنّه يضيف: «سيبقى في دمشق الأغنياء والفقراء فقط. ذابت الطبقة الوسطى، الغني سيزداد غنى، والفقير سيزداد فقراً... انتهت الحرب الميدانية، إنه خبرٌ جيّد، لكن الخبر السيئ أن الحروب الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية بدأت للتو».