عقب الإعلان الأميركي الواضح عن نوايا التصعيد ضد مساري «أستانا» و«سوتشي»، بمجرّد الفشل في الوصول إلى حلّ لمعضلة تشكيلة «اللجنة الدستورية» قبل منتصف الشهر الجاري، تقود واشنطن حراكاً ديبلوماسياً جديداً يهدف إلى تجميع الأوراق السياسية والتحشيد لدعم مطلبها بالعودة إلى المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف، ووقف التعويل والتعاون مع مسار «أستانا». إذ يحلّ الممثل الخاص لوزارة الخارجية الأميركي لشؤون سوريا جايمس جيفري، ضيفاً على كل من تركيا والأردن، لإجراء عدد من اللقاءات البارزة حول الملفّ السوري، وذلك بعد أيام قليلة على حضوره مشاورات «المجموعة المصغرة» في العاصمة الأميركية. تلك المشاورات وصلت إلى نتيجةٍ ملخّصها أن أعضاء «المجموعة» الإقليميين والدوليين، لن يتيحوا الوصول إلى 3 نقاطٍ قال جيفري إن دمشق وحلفاءها يراهنون على تحقيقها، وهي «عودة اللاجئين وإعادة الإعمار، والاعتراف الدولي بشرعية النظام».

وبالنظر إلى التصور الأميركي حول هذه النقاط ومسار «أستانا» وملف «اللجنة الدستورية»، فإن زيارة جيفري إلى تركيا والأردن سوف تكون هامة جداً في هذا التوقيت. ففي تركيا، يلتقي جيفري والوفد المرافق له، نائب وزير الخارجية التركي سادات أونال، ضمن إطار اجتماع «فريق العمل المشترك» الذي أطلقه في شباط الماضي، وزير الخارجية الأميركي السابق ريكس تيلرسون، ونظيره التركي مولود جاويش أوغلو. وسيكون هذا اللقاء المقرر عقده اليوم، الثالث من نوعه بعد اجتماعين سابقين في آذار وتموز. بيان الخارجية الأميركية حول الزيارة، قال إن جيفري سوف يلتقي مسؤولين أتراكاً «لمعالجة المخاوف الأمنية... ومواصلة التقدم في القضايا ذات الاهتمام المشترك». وينتظر أن يكون ملفّا منبج وشرق الفرات على رأس أجندة الاجتماع الثنائي، على أن يجري جيفري زيارة ميدانية، في ولاية غازي عنتاب، إلى قوات بلاده التي تجري تدريبات مشتركة مع الجانب التركي وفق «خريطة الطريق» الخاصة بمدينة منبج. كما سيبحث الجانبان التركي والأميركي مسألة نشر نقاط المراقبة الأميركية على الجانب السوري من الحدود بين نهري دجلة والفرات. وفي موازاة جولة جيفري التركية، يزور رئيس الاستخبارات التركية حقان فيدان، في الوقت الحالي، العاصمة الأميركية واشنطن، حيث يلتقي هناك أعضاء من «الكونغرس» ومسؤولين آخرين، لنقاش قضايا عدّة على رأسها تطورات الملف السوري. وكانت أنقرة قد رفضت ما قاله جيفري سابقاً عن «فشل مسار أستانا»، واعتبر وزير الخارجية جاويش أوغلو أن تصريحات جيفري «لم تكن موفّقة... وليست معبّرة عن وجهة نظره الشخصية»، موضحاً أن «الفضل يعود لعملية أستانا... في أننا ما زلنا نسمع حديثاً عن حل سياسي».

مهمة جيفري في عمّان ستكون «تأكيد أهمية الضغط على النظام السوري»


وسينتقل جيفري إلى الأردن حين انتهاء نشاطاته في تركيا، حيث سيلتقي هناك عدداً من المسؤولين الحكوميين الأردنيين والأميركيين العاملين في الشأن السوري. ووفق ما يشير إليه بيان وزارة الخارجية الخاص بالزيارة، فإن مهمة الديبلوماسي الأميركي ستكون «تأكيد أهمية الحفاظ على الضغط على النظام السوري، وتشجيع جميع الجهود الممكنة لدفع المسار السياسي»، إلى جانب «مناقشة طرق إضافية لضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية، الثابت وغير المعاق إلى سكان (مخيم) الركبان».
الأهداف المعلنة من الجولة الأميركية تتقاطع بوضوح مع التوجه الأميركي الحالي لعرقلة أو إنهاء مسار «أستانا»، والعودة إلى «نقطة الصفر» في العملية السياسية، بحكم أن جولات محادثات جنيف المتكررة لم تصل إلى أي نتيجة توافقية. وتحشد واشنطن لهذه المرحلة على مستوى اللاعبين الدوليين، كما الجانب المعارض. وهي تعوّل على استغلال أوراق شرق الفرات (وغيرها) لإبعاد أنقرة عن تفاهماتها مع موسكو وطهران، وعلى منع الحكومة الأردنية من تطوير علاقة طبيعية مع جارتها السورية، خصوصاً في ملف عودة اللاجئين. وتلقى التحركات الأميركية ترحيباً في صفوف بعض القوى السياسية المعارضة ورفضاً لدى قوى أخرى. ففي بيان يشرح جانباً من أجواء اجتماع «المجموعة المصغرة» الأخير في واشنطن، أشارت «منصة موسكو» إلى أن «قيادة الهيئة (هيئة التفاوض المعارضة) تتماهى مع خطاب جايمس جيفري الذي يحرض فيه (المبعوث الأممي ستيفان) دي ميستورا على فرض الثلث الثالث». وأضافت أن «قيادة الهيئة تتبنى أيضاً حرفية الطرح الغربي بما يخص مسائل العقوبات وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين، وذلك في تحويل هذه المسائل الإنسانية إلى أوراق ابتزاز سياسية... وتغض الطرف عن السلوك الأميركي وسلوك قوات التحالف الغربي؛ ولا تثير قلقها نهائياً عمليات قصف المدنيين شبه اليومية التي يقوم بها التحالف، ولا يثير مخاوفها العمل الأميركي على عزل شرق الفرات وتنمية أوهام الانفصال». وأكدت «المنصة» أنها لا تعترف «بالسياسية التي تتبعها رئاسة هيئة التفاوض».