حالة استكانةٍ تلفّ شوارع اللاذقية نهاراً. مواطنون يعبرون الشوارع ويستقلّون وسائل النقل المتاحة للوصول إلى أعمالهم في دورة يومية روتينية. ازدحام مروري وفوضى في الأسواق، كل ذلك غير مؤثر على عجلة الحياة التي يجب أن تدور وسط أقسى الظروف. يتغير واقع الحال ليلاً؛ سياراتٌ تعبر الشوارع بسرعة جنونية يستخدم سائقوها الفرامل فجأة، فتصدر أصواتاً مريعة، إضافة إلى إطلاق بعضها أصوات إنذارات إسعافية أو أمنية كاذبة، فيعلّق أحد السكان: «عم يلعبو الولاد.. عم يلعبو. عدّت على خير هالمرة». يضيف علاء، وهو والد لطفلين، أن الكثير من ليالي المدينة بات مليئاً بأصوات المفرقعات والألعاب النارية، في إشارة إلى أيام مباريات الدوري السوري في كرة القدم، التي يتفوق فيها فريق تشرين على سائر فرق المحافظات. جمهور الفريق المحلي مثّل مؤخراً حالة فريدة من التنظيم والإبهار، بالتوازي مع تميز لاعبي فريقه خلال المباريات الأخيرة. اعتاد السكان سريعاً أفراح الجمهور الرياضي، وما يترتب على ذلك من صخب قوافل المشجعين داخل سيارات تجوب شوارع المدينة، وهي تحمل الرايات ذات اللونين الأحمر والأصفر. غير أن علاء، الرجل الثلاثيني المسالم، يميز بين صخب الروح الرياضية وأفراح المدينة، وبعض الحالات المتمثلة في أصوات الرصاص التي تخترق ليل المدينة، في مناسبات عائلية خاصة لأحد المتنفذين أو المداهمات الأمنية لبعض الخارجين عن القانون من أبناء المدينة. يقول ساخراً: «صخب المتنفذين وأفراحهم العامرة ليسا يومياً. ومع اقتراب احتفالات رأس السنة لم نعد نميز مفرقعات الاحتفالات المسبقة عن حالة الفرح الرياضي التشريني. لكن الرعب يتمثل في إطلاق الرصاص، كتعبير وحيد عن فرح البعض».

قرب تقاطع وسط شارع الجمهورية يقع الملعب البلدي، حيث تجري مباريات كرة القدم كل يوم جمعة. يمضي شبان المدينة والكثير من فتياتها إلى الملعب لتشجيع فرقهم المفضلة. وعلى التقاطع المروري ذاته، الواصل بين حي قنينص ومحور الملعب البلدي، تقف عجوز متسوّلة تدعو للعابرين: «الله يحميكن من ولاد الحرام»، بينما الرائحة «الحرام» التي تنفذ إلى أنوف المارين من الشارع تخنق الأنفاس. رائحة نفّاذة لم تتوقف طيلة السنوات الماضية، وتعود إلى تخريب ما في أحد أنابيب الصرف الصحي، فتصفعك كلما مررت من المنطقة الحيوية. رغم تعاقب مجالس البلدية والمحافظة والحملات الانتخابية بما تتضمنه من ملصقات لصور المرشحين الذين صاروا أعضاءً، لم يخطر في بال أحد المعنيين ضرورة إصلاح الضرر الحاصل في الشارع، والذي يضرب على غير هدى ملامح المارين المقطبة. سكان المنطقة يبدون كمن تآلف مع الرائحة واعتاد رداءة الهواء، وسط ازدحام حياتهم بالرداءة الخدمية من حولهم. اللافت أن شارع الجمهورية هذا هو أطول شوارع اللاذقية على الإطلاق، عبر امتداد مستقيم لا تقطعه أي تحويلة مرورية، فيبدأ من دوار هارون داخل المدينة وينتهي في مدينة كسب الحدودية، رابطاً المدينة بريفها الشمالي. منه تمر يومياً مواكب الشهداء العابرة إلى المثوى الأخير. من الجيد هُنا إعفاء الشهداء من أعباء حاسة الشم. وبالحديث عن مواكب الشهداء، فقد عادت مجدداً لتخترق يوميات المدينة تزامناً من الخروقات المتكررة على جبهات الريف البعيد. المدينة الرازحة تحت وطأة الخدمات الشحيحة والتقنين الكهربائي نزفت أيضاً العديد من أبنائها خلال الشهر الفائت. خرق أمني على المحاور ذاتها كل مرة، خلال مرحلة ظن الجميع أنها للتهدئة. مناوشات مستمرة واستهدافات لمواقع القوات السورية، باستخدام الصواريخ وقذائف الهاون، إضافة إلى الطائرات المسيّرة. وعلى إثرها عمد الجيش إلى تكثيف إجراءات الحماية والوقاية وتسيير الدوريات الراجلة والتمشيط الليلي، غير أن الضباب الذي يسود الطبيعة الجبلية خلال هذا الوقت من العام ليس في صالح الجنود المتمركزين على الخطوط المتقدمة. انتهز المسلحون على نقاط التماس القريبة من نقطة شير الصحاب، على محور كباني، فرصة الضباب لتنفيذ عملية خاطفة، معتمدين استفزاز عناصر الجيش المنتشرين في المنطقة. غزارة القصف المدفعي أسهمت في عودة نقطة الحراسة سريعاً. خرق آخر سُجّل أواخر الشهر الفائت، عبر الطريق العام، قرب بلدة جورين، باستغلال حالة البرد الشديد والضباب الكثيف، ضمن مرحلة من المفاوضات الدولية التي تفرض التهدئة، ما يثير حفيظة الجنود الذين يواجهون استفزاز الخرق الأمني المتكرر. تهدئة على جميع المستويات تشهدها المدينة الساحلية التي تواجه شتى أنواع الضغوط، وتعود إلى استكانتها الصباحية الروتينية.